أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق / حـوار / حوارات استشرافية: حوار مع الدكتور عبد الله تركماني عن الأحزاب الشيوعية والمسألة القومية

حوارات استشرافية: حوار مع الدكتور عبد الله تركماني عن الأحزاب الشيوعية والمسألة القومية

- أنّ اشتراكية المستقبل ستؤسس على تأكيد وضمانة قيمة الحريات الفردية والجماعية ، وعلى مبادئ الطابع العلماني للدولة
- أظهرت ذاتيتي المقيّدة بالموضوعية القائمة على إعمال الفكر على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي المعاصر بول ريكور .
-المناضل محمود المغربي لم يكن يعرف ، حين التقينا في ربيع العام 1976 في الجزائر، أني سوف أقحم ذكرياته عن المغفور له خالد بكداش في كتاب ،فمن المعروف أنهما عملا معا في دوائر الأممية الشيوعية بموسكو
- مما لاشك فيه أنّ رياض الترك قاد أكبر حملة تجديد داخل الحركة الشيوعية العربية
- إذا كانت مرحلة السرية المفروضة على الحزب قد أبرزت مجموعة مناضلين أكفاء ، فإنها في المقابل لاتصلح أن تكون نبراسا للمستقبل الذي يتطلب مزيدا من الشفافية والديمقراطية في حياة الحزب الداخلية ، وفي علاقته مع حلفائه في التجمع الوطني الديمقراطي
<strong>في كتابه ” الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي والمسألة القومية من العشرينات إلى حرب الخليج الثانية ” يؤرخ الباحث السوري المقيم في تونس د.عبدالله تركماني مراحل نشوء وتطور هذه الأحزاب وصولاً إلى أبرز الإتجاهات التي عملت على تجديد فعلي داخل الحركة الشيوعية العربية وتماهيًا مع تطور الوعي السياسي.
يلمح أيضًا إلى الديمقراطية الليبرالية في إطار الماركسية النقدية الجديدة التي بدورها تحتوي على مبدأ التحوّل الديمقراطي وإشاعة الحريات العامة وحقوق الإنسان في حوارنا مع الدكتور عبدالله تركماني ثمّة إشارة يؤكدها إسوة بعدد من منظري اليسار العربي الراديكالي عن شوائب وآثار مدمرة رافقت الماركسية ذلك ” إنها مرهونة بمدى مواكبتها للثورات المعرفية الكبرى التي تجاوزتها ” أما عن إشتراكية المستقبل يجدها بتخطّي آفاق الرأسمالية ذلك هاجس عاش بداياته مع مطلع السبعينيات من القرن المنصرم في واحدة من منظمات الهامش أو ما يصطلح عنها كحاضنة للسياسة ومنبنية على الفكر والمعرفة عساها بذلك تعلم الساسة / أحمد سليمان
س 1: الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي والمسألة القومية من العشرينات إلى حرب الخليج الثانية, عنوان كتابك الصادر حديثاً عن “مركز الآن” بداية لا بد أن نشير أن جهداً كهذا يحتاج إلى مؤسسات يستند عليها هذا المشروع الضخم الذي استغرق منك اكثر من عقدين؟
ج1 لم أتلقَ أي دعم – مادي أو معنوي – من أية مؤسسة حكومية أو حزبية ، بل أني أعتقد أنّ أي دعم كان سيؤثر سلبيا على العمل . فمنذ وقوع هزيمة حزيران/يونيو 1967 ، وعلى ضوء متابعتي لدور الشيوعيين الفيتناميين في معركة التحرر القومي لشعبهم ، بدأت تخامرني فكرة دراسة تطور مواقف الأحزاب الشيوعية العربية عامة ، والحزب الشيوعي السوري بوجه خاص ، من قضايا المسألة القومية العربية . وعليه ، فإنّ الكتاب جاء ثمرة لتوثيق ومتابعة استمرا طوال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين ، استجابة لدافع بحثي تولّد لديَّ بعد إنجاز أطروحتي الجامعية الأولى حول ” الوحدة المصرية-السورية عام 1958 وموقف الحزب الشيوعي السوري منها ” في العام 1983 . وقد أنجزت الكتاب خلال ظروف صعبة ، حيث نقلت وثائقه ومسوداته بين بلدان عديدة . وطوال العقدين كنت لا أترك فرصة إلا وأستغلها للحصول على وثائق وكتب تخدم البحث . ولا شك أنّ العديد من الأصدقاء ، خاصة من القوميين والشيوعيين في أغلب الأقطار العربية ، قد وفّروا لي فرصا للحصول على المصادر والمعلومات .
س2: يستفيد الكتاب وصفحاته الـ 900 من وثائق الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي إضافة إلى أرشيف الأممية الشيوعية ” الكومنترن ” , كمؤرخ له باع طويل في هذا الشأن, كيف تقرأ مستقبل الأحزاب الشيوعية بعد انهيار كتل وأحلاف وتفكك منظومات كليانية لعبت دوراً أساسياً بموازاة قوى متسيدة في يومنا هذا ؟
ج2 : بعيدا عن التبسيط الذي يجتاح عقول وأقلام الكثيرين في غمرة التغيّرات العاصفة في عالم ما بعد نهاية ” الحرب الباردة ” ، أعتقد أنّ التعامل مع ” أزمة الماركسية ” و ” إخفاق الاشتراكية ” و ” فشل الأحزاب الشيوعية العربية ” يحتاج إلى حوار عميق ينقذ المعرفة العلمية من توظيف أيديولوجيي الرأسمالية المتوحشة ، ويبرز الدور النقدي للمثقفين العضوين المرتبطين بقضايا شعوبهم ومستقبلها . وعلى هذا الأساس ، فإني لم أسعَ إلى التبرؤ من الماركسية ، باعتبارها منهجا نقديا ، وإنما سعيت إلى التخلص من كل الآثار المدمرة التي رافقت مسيرتها ، حين اعتُبرت سياجا دوغمائيا مغلقا . بكلام آخر ، ما زلت أدعو إلى الاهتمام بالماركسية وبكل النظريات التي جاءت بعدها ، وحتى التي ناقضتها في فترة الولادة ، انطلاقا من موقف علمي وسياسي وواقعي في آن واحد .
فبالرغم من الحديث المتواتر عن أزمة الماركسية فإنّ أهميتها ، بروحها النقدية الحية ، للعلوم الاجتماعية الحديثة لا يجاريها شيء من حيث عمقها واتساعها وديمومتها ، ولكنها بالتأكيد غير كافية لمعرفة تجليات الرأسمالية في عصر العولمة . إنّ مستقبل الماركسية مرهون بمدى مواكبتها للثورات المعرفية الكبرى التي تجاوزتها في جوانب مختلفة ، إذ أنّ الانتقال إلى أسلوب الإنتاج الألكتروني – الأوتوما تيكي ، بما يقلص العمل الإنساني المباشر إلى حد تجميع وصيانة الآلات والمراقبة والتحكم لمنع العراقيل وإصلاح الخلل وزيادة الإنتاج ، يجعل كل شيء بحاجة إلى إعادة تمحيص ، خاصة احتضان كل تعبيرات الاغتراب بما فيها تلك التي تقع خارج العملية الإنتاجية ، من خلال حفز القدرة الخلاقة للأفراد بكل وجه من وجوههم الفردية الخاصة غير القابلة للتنبؤ وغير المكررة .
أما الأحزاب الشيوعية العربية التي اختزلت الماركسية إلى حدود الممارسة السياسوية دون أن تتمكن من تمثلها كنظام معرفي شامل قادر على إنتاج نفسه في الواقع العربي الملموس ، فإنها مدعوة إلى مراجعات نقدية ، غير انفعالية وغير عصبوية ، قد تساعدها على إعادة أنتاج تيار اجتماعي – ديمقراطي مؤثر في أقطارها . ولعل ذلك يكون : أولا ، من خلال إعادة الاعتبار للفكر الماركسي النقدي بعد تخليصه من الدوغمائية وتحريره من كل القيود التي كانت تكبله وتحول بينه وبين الإبداع الإنساني الذي هو أساس كل تقدم بشري ، ولإعادة الاعتبار للإنسان العربي كقيمة عليا في المجتمع وكهدف أسمى في هذا الوجود وكحامل لمشروع النهضة القومية الديمقراطية . وثانيا ، من خلال تجاوز الأسلوب المغلق للتنظيم اللينيني ، بما يوفر سيادة التوجه الديمقراطي الحقيقي ضمن هذه الأحزاب . وثالثا ، تغيير أسمائها في اتجاه التطابق بين الإسم والهدف ، أي أحزاب تجديد ديمقراطي – اجتماعي للحياة العربية . ورابعا ، إدراك أنّ ” العولمة ” ظاهرة تاريخية متقدمة في التاريخ الإنساني يجدر بنا التعاطي معها بهدف النضال من أجل عولمة إنسانية تسودها المشروعية الدولية والتضامن العالمي والديمقراطية في العلاقات الدولية ، وضد إعادة إنتاج النظام الاستعماري القديم . فالحال أنّ تيار العولمة الجارف يفرض قواعده على الجميع ، ويقونن نفسه عبر منظمات عالمية لها سطوتها الكوكبية ، مما دفع كل البلدان في العالم لأخذ هذا الأمر مأخذ الجد ، فاتجهت إلى ترتيب أوضاعها للتعاطي مع استحقاقاته بأقل الخسائر الممكنة عن طريق ترتيب أوضاعها الاقتصادية الداخلية ، وإقامة تكتلات إقليمية تمكنها من التفاوض من موقع أقوى .
إنّ اشتراكية المستقبل سوف ترمز إلى تخطّي آفاق الرأسمالية أكثر من أن تعني الرجوع إلى تجارب شبيهة بتلك التي شهدناها في الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية وبعض أقطارنا العربية ، وهي سوف تستبعد كل تفاؤل الماركسية الإرادوية وتشاؤم الذين ينكمشون أمام التحديات التي تفرضها عولمة اليوم وإخفاقات الماضي .
إنّ تفكك المنظومة السوفياتية الكليانية لا يلغي أنّ الاشتراكية ” العدالة الاجتماعية ” ضرورة موضوعية طالما أنّ التناقضات التي تمس مصير الحضارة الإنسانية قائمة ، إلا أنّ اشتراكية المستقبل ستؤسس على تأكيد وضمانة قيمة الحريات الفردية والجماعية ، وعلى مبادئ الطابع العلماني للدولة وتمفصلها الديمقراطي ، وعلى التعددية الفكرية والسياسية ، وإمكانية التداول على السلطة بشكل سلمي ، وعلى استقلالية النقابات وكل منظمات المجتمع المدني . وعلى أساس ضمان تطوير الإنتاجية في المجال الاقتصادي ، من خلال البرمجة الديمقراطية القائمة على الوظيفة الاجتماعية لأشكال متعددة من المبادرات .
وهكذا ، فإنّ عدالة المستقبل سوف تستند إلى اقتصاد منتج ذي فاعلية ، وإلى أحدث منجزات الثورة العلمية والتكنولوجية ، وإلى البنى الاجتماعية المؤنسنة وإشاعة الديمقراطية في كل نواحي الحياة الاجتماعية ، وخلق الظروف المؤاتية لعيش وعمل الناس في جو من الإبداع النشيط .
س3: في كتابك تتحدث عن الحزب الشيوعي السوري بأقطابه الثلاثة: خالد بكداش ويوسف فيصل ورياض الترك, تنحاز للحديث عن تميز جناح رياض الترك خصوصاً ما يتعلق بتغطية هذا التنظيم عبر مطبوعاته لبعض قضايا المسألة القومية العربية وتركيزه على الوضع الداخلي في سورية ؟
ج3 : بل أظهرت ذاتيتي المقيّدة بالموضوعية المنشودة القائمة على إعمال الفكر على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي المعاصر بول ريكور . فمما لاشك فيه أنّ الأستاذ رياض الترك قاد أكبر حملة تجديد داخل الحركة الشيوعية العربية ، وقد ساهمت أطروحات حزبه مساهمة أساسية في تطوير الفكر السياسي العربي المعاصر . وإذا أردت الدقة فإنّ الوعي السياسي السوري المعاصر ، القومي واليساري ، الذي كان محكوما بالمنظورات الاقتصادوية والطبقوية والشعبوية ، لم يتجه – بعمق – نحو خيار التحويل الديمقراطي للسلطة والمجتمع إلا بعد أن قدم جناح رياض الترك منظورات المؤتمر الخامس في أواخر العام 1978 . ثم أنّ هذا الجناح ساهم مساهمة كبيرة في توضيح قضايا المسألة القومية العربية ، ليس على صعيد قضيتي الوحدة العربية وفلسطين فحسب ، بل أيضا على صعيد السياسات الداخلية للأقطار العربية بشكل عام ، ولسورية بشكل خاص ، انطلاقا من قناعاته بأنّ الامبريالية ليست عاملا خارجيا فحسب ، بل هي جزء لايتجزأ من المكوّنات البنيوية الداخلية في الأقطار العربية . وفي هذا السياق ، نظر إلى المسألة القومية العربية باعتبارها تمثل مسائل جوهرية عديدة تتداخل فيها مهمات التحديث الفكري والسياسي مع مهمات النهوض الاقتصادي والاجتماعي ، وذلك بتجسيد وحدة المصير العربي كمنطلق للنهوض الحضاري ، وهو ما يفترض مهمات إنجاز الدولة الوطنية الحديثة ( دولة الحق والقانون ودولة المواطنين الأحرار ) ، والوحدة العربية ، وحل القضية الفلسطينية بما يحفظ الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني ، وممارسة الديمقراطية كمنهج للتعامل السياسي على صعيد الدولة والمجتمع .
س4: الثابت آنذاك أن جناح رياض الترك اتخذ شكلاً نضالياً قاسياً في العمل السري ماذا عن آلية العمل التنظيري في ظل مناخ كهذا؟
ج4 تكمن أهمية هذا الجناح ، على الخصوص ، في أنه استوعب المستوى السياسي الديمقراطي لليبرالية في إطار ماركسيته النقدية الجديدة ، وفي برنامجه السياسي الذي تنبه إلى أهمية الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان لتقدم المجتمع السوري . أما بالنسبة لمستويي الفكر والتنظيم فقد أخفق فيهما إخفاقا واضحا ، إذ لم يتمكن من إنتاج فكر نظري يشكل إطارا وقاعدة لبرنامجه السياسي ، كما لم يتمكن من تجاوز مفهوم الحزب اللينيني ، بأسلوبه المغلق ودكاكينه المقفلة . وإذا كانت مرحلة السرية المفروضة على الحزب قد أبرزت مجموعة مناضلين أكفاء ، فإنها في المقابل لاتصلح أن تكون نبراسا للمستقبل الذي يتطلب مزيدا من الشفافية والديمقراطية في حياة الحزب الداخلية ، وفي علاقته مع حلفائه في التجمع الوطني الديمقراطي ، وفي محيطه الثقافي والاجتماعي .
س5: يرد أيضًا في كتابك انه تسنى لك لقاء المناضل محمود المغربي في الجزائر سنة 1976 لكنك لم توضح الانطباعات التي قدمها لك عن المناضل خالد بكداش؟.
ج5 تقتضي الأمانة التاريخية القول أنّ المغفور له المناضل محمود المغربي لم يكن يعرف ، حين التقينا في ربيع العام 1976 في الجزائر، أني سوف أقحم ذكرياته عن المغفور له خالد بكداش في كتاب ، لذلك لاأسمح لنفسي بأن أضيف على ما ذكرته في الكتاب . فمن المعروف أنهما عملا معا في دوائر الأممية الشيوعية بموسكو ، حيث أوفد ” الكومنترن ” المغربي ” بو داؤود ” لمساعدة الحزب الشيوعي السوري – اللبناني في رصّ صفوفه بعد ” أزمة التعريب ” التي عاشها الحزب في العام 1933 ، وعُين في قيادة الحزب .
س 6 :كمؤرخ ومفكر سياسي, سأقلب معك دفة الآن إلى عقود اتسم فيها القرن العشرين, بماذا تلخص ذلك؟
ج6 تميز القرن العشرون بخصائص متناقضة في بعض مضامينها ، ومعقدة في مساراتها واتجاهاتها ، ومتباينة في نتائجها وتأثيراتها . وقد تركت بصماتها على الحياة الإنسانية بكل جوانبها ، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، وعلى المفاهيم والاتجاهات الفكرية ، وعلى العلاقات الدولية عامة . ولاشك أنّ أكبر مظلمة نتجت عن السياسات الاستعمارية في القرن العشرين هي المظلمة الفلسطينية ، التي تجسدت في إنشاء وطن لشتات من يهود العالم ، بينما أصبح الشعب الفلسطيني ، صاحب الأرض ، لاجئا في شتى أصقاع الدنيا ، ولم يحصل -بعد – على دولة خاصة به . ثم أنّ القرن العشرين كان من أكثر القرون عنفا في تاريخ البشرية ، كما أحيا أعظم الآمال بالحرية والعدالة مع انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية والثورة الصينية وثورات التحرر الوطني ، ولكنه حطم الأوهام والكثير من المثل العليا ، إذ انحلت النماذج القديمة للعلاقات الاجتماعية – الإنسانية ولم تنبثق – بعد – علاقات جديدة واضحة المعالم ، وعليه فإنّ القرن العشرين لم ينتهِ نهاية حسنة .
س7: يكثر الحديث عن رهان الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي بماذا تعلق؟
ج7 ما أحوج عالمنا العربي إلى إدارة تعدديته الفكرية والسياسية والاجتماعية بواسطة مؤسسات متعاقد عليها تفتح الأفق لإمكانية التغيير السلمي للعلاقات الاجتماعية ، لذلك فإنّ رهان الديمقراطية وضمان حقوق الإنسان العربي هو الأكثر صوابا لتحقيق طموحات شعوبنا في التحرر والتقدم والوحدة .
وتكتسب الدعوة إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان أهميتها من حاجة أقطارنا العربية إلى التحديث بمعناه الشامل ، وتطوير الثقافة السياسية السائدة وإعادة صياغتها بشكل خاص : ترشيد بناء السلطة السياسية على أسس عقلانية مستقلة عن كافة الارتباطات التقليدية ، ما قبل القومية . وتسييد روح المساواة في الحقوق والواجبات ، بما يعني فكرة المواطنة ، وتغليب معايير الكفاءة محل الولاء . وضمان التعددية الفكرية والسياسية ، من خلال مؤسسات علنية وشرعية تضمن التعبير الحر عن الآراء والبرامج ، بما يجعل التنافس سلميا من أجل خدمة الوطن وتقدمه .
ثم أنّ كسبنا لرهان الديمقراطية وحقوق الإنسان منوط بإدراكنا أنّ الحياة العالمية المعاصرة تنطوي على أكثر من دلالة حقوقية وسياسية ، تشكل فلسفة قوامها الإنسان الذي يتعين تحريره من الظلم والاستبداد والخوف ، وهدفها ضمان الحرية والمساواة والتضامن ، وأداتها إرساء دولة الحق والقانون في تناسق مع المجتمع المدني الهادف إلى ضمان الأمن والاستقرار والرخاء لأبنائه .
س8: ربع قرن وانت تتنقل بين عدد من البلدان وحاليًا تعيش في تونس منذ العام 1990 وتتواصل مع المؤتمرات الفكرية و القومية العربية ماذا أضافت لك تجربة الاغتراب وماذا أخفقت, وهل تعتقد أن المفكر والباحث باستطاعته مواءمة موضوعاته وكتاباته ونظرته للمتغيرات والأحداث في احلك الظروف وأقساها؟
ج8 إنّ غربتي عن المكان لم تمنعني قط من الانغراس في قضايا الزمان ، بما هي قضايا الإنسان العربي في التحرر والتقدم والوحدة . فسورية الحبيبة لم تفارقني طوال مدة غيابي عنها ، فهمومها كانت همومي ، ومستقبلها هو مستقبلي . وباعتبار أنّ أغلب سنوات غربتي عن المكان كانت في المغرب العربي ، فقد اغتنيت بتجربة وخبرات كثيرة ، ساعدتني على تعميق انتمائي لعروبتي ، حيث لمست العروبة في أنقى تجلياتها لدى الشعبين الشقيقين الجزائري والتونسي . فقد تعلّمت من الجزائريين ، في مرحلة الشباب ، الاندفاع في القول والعمل والجنوح نحو الراديكالية . بينما تعلّمت من التونسيين ، في مرحلة الكهولة ، التروي والنزعة الإصلاحية ، والميل إلى تغليب العمل على القول . وطوال ربع قرن استطعت أن أتغلب على الكثير من المعوّقات التي اعترضتني أثناء محاولتي التعبير عن رؤيتي ، وفي المحصلة استطعت أن أوائم بين موضاعات كتاباتي ومتطلبات الإقامة الكريمة في أحلك الظروف وأقساها .

– أنّ اشتراكية المستقبل ستؤسس على تأكيد وضمانة قيمة الحريات الفردية والجماعية ، وعلى مبادئ الطابع العلماني للدولة- أظهرت ذاتيتي المقيّدة بالموضوعية القائمة على إعمال الفكر على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي المعاصر بول ريكور .-المناضل محمود المغربي لم يكن يعرف ، حين التقينا في ربيع العام 1976 في الجزائر، أني سوف أقحم ذكرياته عن المغفور له خالد بكداش في كتاب ،فمن المعروف أنهما عملا معا في دوائر الأممية الشيوعية بموسكو – مما لاشك فيه أنّ رياض الترك قاد أكبر حملة تجديد داخل الحركة الشيوعية العربية – إذا كانت مرحلة السرية المفروضة على الحزب قد أبرزت مجموعة مناضلين أكفاء ، فإنها في المقابل لاتصلح أن تكون نبراسا للمستقبل الذي يتطلب مزيدا من الشفافية والديمقراطية في حياة الحزب الداخلية ، وفي علاقته مع حلفائه في التجمع الوطني الديمقراطي <strong>في كتابه ” الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي والمسألة القومية من العشرينات إلى حرب الخليج الثانية ” يؤرخ الباحث السوري المقيم في تونس د.عبدالله تركماني مراحل نشوء وتطور هذه الأحزاب وصولاً إلى أبرز الإتجاهات التي عملت على تجديد فعلي داخل الحركة الشيوعية العربية وتماهيًا مع تطور الوعي السياسي.</strong><!–more–>
يلمح أيضًا إلى الديمقراطية الليبرالية في إطار الماركسية النقدية الجديدة التي بدورها تحتوي على مبدأ التحوّل الديمقراطي وإشاعة الحريات العامة وحقوق الإنسان في حوارنا مع الدكتور عبدالله تركماني ثمّة إشارة يؤكدها إسوة بعدد من منظري اليسار العربي الراديكالي عن شوائب وآثار مدمرة رافقت الماركسية ذلك ” إنها مرهونة بمدى مواكبتها للثورات المعرفية الكبرى التي تجاوزتها ” أما عن إشتراكية المستقبل يجدها بتخطّي آفاق الرأسمالية ذلك هاجس عاش بداياته مع مطلع السبعينيات من القرن المنصرم في واحدة من منظمات الهامش أو ما يصطلح عنها كحاضنة للسياسة ومنبنية على الفكر والمعرفة عساها بذلك تعلم الساسة / أحمد سليمان

س 1: الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي والمسألة القومية من العشرينات إلى حرب الخليج الثانية, عنوان كتابك الصادر حديثاً عن “مركز الآن” بداية لا بد أن نشير أن جهداً كهذا يحتاج إلى مؤسسات يستند عليها هذا المشروع الضخم الذي استغرق منك اكثر من عقدين؟
ج1 لم أتلقَ أي دعم – مادي أو معنوي – من أية مؤسسة حكومية أو حزبية ، بل أني أعتقد أنّ أي دعم كان سيؤثر سلبيا على العمل . فمنذ وقوع هزيمة حزيران/يونيو 1967 ، وعلى ضوء متابعتي لدور الشيوعيين الفيتناميين في معركة التحرر القومي لشعبهم ، بدأت تخامرني فكرة دراسة تطور مواقف الأحزاب الشيوعية العربية عامة ، والحزب الشيوعي السوري بوجه خاص ، من قضايا المسألة القومية العربية . وعليه ، فإنّ الكتاب جاء ثمرة لتوثيق ومتابعة استمرا طوال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين ، استجابة لدافع بحثي تولّد لديَّ بعد إنجاز أطروحتي الجامعية الأولى حول ” الوحدة المصرية-السورية عام 1958 وموقف الحزب الشيوعي السوري منها ” في العام 1983 . وقد أنجزت الكتاب خلال ظروف صعبة ، حيث نقلت وثائقه ومسوداته بين بلدان عديدة . وطوال العقدين كنت لا أترك فرصة إلا وأستغلها للحصول على وثائق وكتب تخدم البحث . ولا شك أنّ العديد من الأصدقاء ، خاصة من القوميين والشيوعيين في أغلب الأقطار العربية ، قد وفّروا لي فرصا للحصول على المصادر والمعلومات .
س2: يستفيد الكتاب وصفحاته الـ 900 من وثائق الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي إضافة إلى أرشيف الأممية الشيوعية ” الكومنترن ” , كمؤرخ له باع طويل في هذا الشأن, كيف تقرأ مستقبل الأحزاب الشيوعية بعد انهيار كتل وأحلاف وتفكك منظومات كليانية لعبت دوراً أساسياً بموازاة قوى متسيدة في يومنا هذا ؟
ج2 : بعيدا عن التبسيط الذي يجتاح عقول وأقلام الكثيرين في غمرة التغيّرات العاصفة في عالم ما بعد نهاية ” الحرب الباردة ” ، أعتقد أنّ التعامل مع ” أزمة الماركسية ” و ” إخفاق الاشتراكية ” و ” فشل الأحزاب الشيوعية العربية ” يحتاج إلى حوار عميق ينقذ المعرفة العلمية من توظيف أيديولوجيي الرأسمالية المتوحشة ، ويبرز الدور النقدي للمثقفين العضوين المرتبطين بقضايا شعوبهم ومستقبلها . وعلى هذا الأساس ، فإني لم أسعَ إلى التبرؤ من الماركسية ، باعتبارها منهجا نقديا ، وإنما سعيت إلى التخلص من كل الآثار المدمرة التي رافقت مسيرتها ، حين اعتُبرت سياجا دوغمائيا مغلقا . بكلام آخر ، ما زلت أدعو إلى الاهتمام بالماركسية وبكل النظريات التي جاءت بعدها ، وحتى التي ناقضتها في فترة الولادة ، انطلاقا من موقف علمي وسياسي وواقعي في آن واحد .
فبالرغم من الحديث المتواتر عن أزمة الماركسية فإنّ أهميتها ، بروحها النقدية الحية ، للعلوم الاجتماعية الحديثة لا يجاريها شيء من حيث عمقها واتساعها وديمومتها ، ولكنها بالتأكيد غير كافية لمعرفة تجليات الرأسمالية في عصر العولمة . إنّ مستقبل الماركسية مرهون بمدى مواكبتها للثورات المعرفية الكبرى التي تجاوزتها في جوانب مختلفة ، إذ أنّ الانتقال إلى أسلوب الإنتاج الألكتروني – الأوتوما تيكي ، بما يقلص العمل الإنساني المباشر إلى حد تجميع وصيانة الآلات والمراقبة والتحكم لمنع العراقيل وإصلاح الخلل وزيادة الإنتاج ، يجعل كل شيء بحاجة إلى إعادة تمحيص ، خاصة احتضان كل تعبيرات الاغتراب بما فيها تلك التي تقع خارج العملية الإنتاجية ، من خلال حفز القدرة الخلاقة للأفراد بكل وجه من وجوههم الفردية الخاصة غير القابلة للتنبؤ وغير المكررة .
أما الأحزاب الشيوعية العربية التي اختزلت الماركسية إلى حدود الممارسة السياسوية دون أن تتمكن من تمثلها كنظام معرفي شامل قادر على إنتاج نفسه في الواقع العربي الملموس ، فإنها مدعوة إلى مراجعات نقدية ، غير انفعالية وغير عصبوية ، قد تساعدها على إعادة أنتاج تيار اجتماعي – ديمقراطي مؤثر في أقطارها . ولعل ذلك يكون : أولا ، من خلال إعادة الاعتبار للفكر الماركسي النقدي بعد تخليصه من الدوغمائية وتحريره من كل القيود التي كانت تكبله وتحول بينه وبين الإبداع الإنساني الذي هو أساس كل تقدم بشري ، ولإعادة الاعتبار للإنسان العربي كقيمة عليا في المجتمع وكهدف أسمى في هذا الوجود وكحامل لمشروع النهضة القومية الديمقراطية . وثانيا ، من خلال تجاوز الأسلوب المغلق للتنظيم اللينيني ، بما يوفر سيادة التوجه الديمقراطي الحقيقي ضمن هذه الأحزاب . وثالثا ، تغيير أسمائها في اتجاه التطابق بين الإسم والهدف ، أي أحزاب تجديد ديمقراطي – اجتماعي للحياة العربية . ورابعا ، إدراك أنّ ” العولمة ” ظاهرة تاريخية متقدمة في التاريخ الإنساني يجدر بنا التعاطي معها بهدف النضال من أجل عولمة إنسانية تسودها المشروعية الدولية والتضامن العالمي والديمقراطية في العلاقات الدولية ، وضد إعادة إنتاج النظام الاستعماري القديم . فالحال أنّ تيار العولمة الجارف يفرض قواعده على الجميع ، ويقونن نفسه عبر منظمات عالمية لها سطوتها الكوكبية ، مما دفع كل البلدان في العالم لأخذ هذا الأمر مأخذ الجد ، فاتجهت إلى ترتيب أوضاعها للتعاطي مع استحقاقاته بأقل الخسائر الممكنة عن طريق ترتيب أوضاعها الاقتصادية الداخلية ، وإقامة تكتلات إقليمية تمكنها من التفاوض من موقع أقوى .
إنّ اشتراكية المستقبل سوف ترمز إلى تخطّي آفاق الرأسمالية أكثر من أن تعني الرجوع إلى تجارب شبيهة بتلك التي شهدناها في الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية وبعض أقطارنا العربية ، وهي سوف تستبعد كل تفاؤل الماركسية الإرادوية وتشاؤم الذين ينكمشون أمام التحديات التي تفرضها عولمة اليوم وإخفاقات الماضي .
إنّ تفكك المنظومة السوفياتية الكليانية لا يلغي أنّ الاشتراكية ” العدالة الاجتماعية ” ضرورة موضوعية طالما أنّ التناقضات التي تمس مصير الحضارة الإنسانية قائمة ، إلا أنّ اشتراكية المستقبل ستؤسس على تأكيد وضمانة قيمة الحريات الفردية والجماعية ، وعلى مبادئ الطابع العلماني للدولة وتمفصلها الديمقراطي ، وعلى التعددية الفكرية والسياسية ، وإمكانية التداول على السلطة بشكل سلمي ، وعلى استقلالية النقابات وكل منظمات المجتمع المدني . وعلى أساس ضمان تطوير الإنتاجية في المجال الاقتصادي ، من خلال البرمجة الديمقراطية القائمة على الوظيفة الاجتماعية لأشكال متعددة من المبادرات .
وهكذا ، فإنّ عدالة المستقبل سوف تستند إلى اقتصاد منتج ذي فاعلية ، وإلى أحدث منجزات الثورة العلمية والتكنولوجية ، وإلى البنى الاجتماعية المؤنسنة وإشاعة الديمقراطية في كل نواحي الحياة الاجتماعية ، وخلق الظروف المؤاتية لعيش وعمل الناس في جو من الإبداع النشيط .
س3: في كتابك تتحدث عن الحزب الشيوعي السوري بأقطابه الثلاثة: خالد بكداش ويوسف فيصل ورياض الترك, تنحاز للحديث عن تميز جناح رياض الترك خصوصاً ما يتعلق بتغطية هذا التنظيم عبر مطبوعاته لبعض قضايا المسألة القومية العربية وتركيزه على الوضع الداخلي في سورية ؟
ج3 : بل أظهرت ذاتيتي المقيّدة بالموضوعية المنشودة القائمة على إعمال الفكر على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي المعاصر بول ريكور . فمما لاشك فيه أنّ الأستاذ رياض الترك قاد أكبر حملة تجديد داخل الحركة الشيوعية العربية ، وقد ساهمت أطروحات حزبه مساهمة أساسية في تطوير الفكر السياسي العربي المعاصر . وإذا أردت الدقة فإنّ الوعي السياسي السوري المعاصر ، القومي واليساري ، الذي كان محكوما بالمنظورات الاقتصادوية والطبقوية والشعبوية ، لم يتجه – بعمق – نحو خيار التحويل الديمقراطي للسلطة والمجتمع إلا بعد أن قدم جناح رياض الترك منظورات المؤتمر الخامس في أواخر العام 1978 . ثم أنّ هذا الجناح ساهم مساهمة كبيرة في توضيح قضايا المسألة القومية العربية ، ليس على صعيد قضيتي الوحدة العربية وفلسطين فحسب ، بل أيضا على صعيد السياسات الداخلية للأقطار العربية بشكل عام ، ولسورية بشكل خاص ، انطلاقا من قناعاته بأنّ الامبريالية ليست عاملا خارجيا فحسب ، بل هي جزء لايتجزأ من المكوّنات البنيوية الداخلية في الأقطار العربية . وفي هذا السياق ، نظر إلى المسألة القومية العربية باعتبارها تمثل مسائل جوهرية عديدة تتداخل فيها مهمات التحديث الفكري والسياسي مع مهمات النهوض الاقتصادي والاجتماعي ، وذلك بتجسيد وحدة المصير العربي كمنطلق للنهوض الحضاري ، وهو ما يفترض مهمات إنجاز الدولة الوطنية الحديثة ( دولة الحق والقانون ودولة المواطنين الأحرار ) ، والوحدة العربية ، وحل القضية الفلسطينية بما يحفظ الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني ، وممارسة الديمقراطية كمنهج للتعامل السياسي على صعيد الدولة والمجتمع .
س4: الثابت آنذاك أن جناح رياض الترك اتخذ شكلاً نضالياً قاسياً في العمل السري ماذا عن آلية العمل التنظيري في ظل مناخ كهذا؟
ج4 تكمن أهمية هذا الجناح ، على الخصوص ، في أنه استوعب المستوى السياسي الديمقراطي لليبرالية في إطار ماركسيته النقدية الجديدة ، وفي برنامجه السياسي الذي تنبه إلى أهمية الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان لتقدم المجتمع السوري . أما بالنسبة لمستويي الفكر والتنظيم فقد أخفق فيهما إخفاقا واضحا ، إذ لم يتمكن من إنتاج فكر نظري يشكل إطارا وقاعدة لبرنامجه السياسي ، كما لم يتمكن من تجاوز مفهوم الحزب اللينيني ، بأسلوبه المغلق ودكاكينه المقفلة . وإذا كانت مرحلة السرية المفروضة على الحزب قد أبرزت مجموعة مناضلين أكفاء ، فإنها في المقابل لاتصلح أن تكون نبراسا للمستقبل الذي يتطلب مزيدا من الشفافية والديمقراطية في حياة الحزب الداخلية ، وفي علاقته مع حلفائه في التجمع الوطني الديمقراطي ، وفي محيطه الثقافي والاجتماعي .
س5: يرد أيضًا في كتابك انه تسنى لك لقاء المناضل محمود المغربي في الجزائر سنة 1976 لكنك لم توضح الانطباعات التي قدمها لك عن المناضل خالد بكداش؟.
ج5 تقتضي الأمانة التاريخية القول أنّ المغفور له المناضل محمود المغربي لم يكن يعرف ، حين التقينا في ربيع العام 1976 في الجزائر، أني سوف أقحم ذكرياته عن المغفور له خالد بكداش في كتاب ، لذلك لاأسمح لنفسي بأن أضيف على ما ذكرته في الكتاب . فمن المعروف أنهما عملا معا في دوائر الأممية الشيوعية بموسكو ، حيث أوفد ” الكومنترن ” المغربي ” بو داؤود ” لمساعدة الحزب الشيوعي السوري – اللبناني في رصّ صفوفه بعد ” أزمة التعريب ” التي عاشها الحزب في العام 1933 ، وعُين في قيادة الحزب .
س 6 :كمؤرخ ومفكر سياسي, سأقلب معك دفة الآن إلى عقود اتسم فيها القرن العشرين, بماذا تلخص ذلك؟
ج6 تميز القرن العشرون بخصائص متناقضة في بعض مضامينها ، ومعقدة في مساراتها واتجاهاتها ، ومتباينة في نتائجها وتأثيراتها . وقد تركت بصماتها على الحياة الإنسانية بكل جوانبها ، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، وعلى المفاهيم والاتجاهات الفكرية ، وعلى العلاقات الدولية عامة . ولاشك أنّ أكبر مظلمة نتجت عن السياسات الاستعمارية في القرن العشرين هي المظلمة الفلسطينية ، التي تجسدت في إنشاء وطن لشتات من يهود العالم ، بينما أصبح الشعب الفلسطيني ، صاحب الأرض ، لاجئا في شتى أصقاع الدنيا ، ولم يحصل -بعد – على دولة خاصة به . ثم أنّ القرن العشرين كان من أكثر القرون عنفا في تاريخ البشرية ، كما أحيا أعظم الآمال بالحرية والعدالة مع انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية والثورة الصينية وثورات التحرر الوطني ، ولكنه حطم الأوهام والكثير من المثل العليا ، إذ انحلت النماذج القديمة للعلاقات الاجتماعية – الإنسانية ولم تنبثق – بعد – علاقات جديدة واضحة المعالم ، وعليه فإنّ القرن العشرين لم ينتهِ نهاية حسنة .
س7: يكثر الحديث عن رهان الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي بماذا تعلق؟
ج7 ما أحوج عالمنا العربي إلى إدارة تعدديته الفكرية والسياسية والاجتماعية بواسطة مؤسسات متعاقد عليها تفتح الأفق لإمكانية التغيير السلمي للعلاقات الاجتماعية ، لذلك فإنّ رهان الديمقراطية وضمان حقوق الإنسان العربي هو الأكثر صوابا لتحقيق طموحات شعوبنا في التحرر والتقدم والوحدة .
وتكتسب الدعوة إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان أهميتها من حاجة أقطارنا العربية إلى التحديث بمعناه الشامل ، وتطوير الثقافة السياسية السائدة وإعادة صياغتها بشكل خاص : ترشيد بناء السلطة السياسية على أسس عقلانية مستقلة عن كافة الارتباطات التقليدية ، ما قبل القومية . وتسييد روح المساواة في الحقوق والواجبات ، بما يعني فكرة المواطنة ، وتغليب معايير الكفاءة محل الولاء . وضمان التعددية الفكرية والسياسية ، من خلال مؤسسات علنية وشرعية تضمن التعبير الحر عن الآراء والبرامج ، بما يجعل التنافس سلميا من أجل خدمة الوطن وتقدمه .
ثم أنّ كسبنا لرهان الديمقراطية وحقوق الإنسان منوط بإدراكنا أنّ الحياة العالمية المعاصرة تنطوي على أكثر من دلالة حقوقية وسياسية ، تشكل فلسفة قوامها الإنسان الذي يتعين تحريره من الظلم والاستبداد والخوف ، وهدفها ضمان الحرية والمساواة والتضامن ، وأداتها إرساء دولة الحق والقانون في تناسق مع المجتمع المدني الهادف إلى ضمان الأمن والاستقرار والرخاء لأبنائه .
س8: ربع قرن وانت تتنقل بين عدد من البلدان وحاليًا تعيش في تونس منذ العام 1990 وتتواصل مع المؤتمرات الفكرية و القومية العربية ماذا أضافت لك تجربة الاغتراب وماذا أخفقت, وهل تعتقد أن المفكر والباحث باستطاعته مواءمة موضوعاته وكتاباته ونظرته للمتغيرات والأحداث في احلك الظروف وأقساها؟
ج8 إنّ غربتي عن المكان لم تمنعني قط من الانغراس في قضايا الزمان ، بما هي قضايا الإنسان العربي في التحرر والتقدم والوحدة . فسورية الحبيبة لم تفارقني طوال مدة غيابي عنها ، فهمومها كانت همومي ، ومستقبلها هو مستقبلي . وباعتبار أنّ أغلب سنوات غربتي عن المكان كانت في المغرب العربي ، فقد اغتنيت بتجربة وخبرات كثيرة ، ساعدتني على تعميق انتمائي لعروبتي ، حيث لمست العروبة في أنقى تجلياتها لدى الشعبين الشقيقين الجزائري والتونسي . فقد تعلّمت من الجزائريين ، في مرحلة الشباب ، الاندفاع في القول والعمل والجنوح نحو الراديكالية . بينما تعلّمت من التونسيين ، في مرحلة الكهولة ، التروي والنزعة الإصلاحية ، والميل إلى تغليب العمل على القول . وطوال ربع قرن استطعت أن أتغلب على الكثير من المعوّقات التي اعترضتني أثناء محاولتي التعبير عن رؤيتي ، وفي المحصلة استطعت أن أوائم بين موضاعات كتاباتي ومتطلبات الإقامة الكريمة في أحلك الظروف وأقساها .

عن أحمد سليمان

من مواليد 27 / 12 – 1968 – سوريا – عاش في بيروت بين ( 1990 و 2003 ) . كتب بالصحافة اللبنانية والعربية حتى لحظة و صوله أوروبا حيث كتب بمجال الحريات المدنية . لأحمدسليمان دواوين شعرية خمسة و كتاب نثري وعملان سرديان وكتاب متعلق بالأبحاث الديمقراطية وقد صدرت بطبعات مشرقية ومغربية -عمل على اعداد وتوثيق ما عرف بقضية الإيدز في ليبيا واصدر مايقارب 200 تقرير حول القضية التي تعتبر أبرز نشاط انساني دولي عمل عليه الى لحظة التسوية السياسية التي حسمت القضية. -متحصل على عضوية فاعلة في منظمات دولية ـ يقدم استشارات لعدد من المنظمات والهيئات الثقافية و يساعد في تحرير مواقعها -لقراءة كتب أحمد سليمان http://en.calameo.com/accounts/377803 http://issuu.com/jadl-now www.scribd.com/ahmadsleiman

شاهد أيضاً

الشاعر السوري فرج بيرقدار: “أمثولات الرعب تعشعش في ذاكرة الناس”

يتطلع الشاعر السوري فرج بيرقدار إلى الثورات العربية التي وصلت سوريا الآن، بفيض غامر من …

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

error: Content is protected !!