أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق / حـوار / حوارات استشرافية:عباس بيضون أن غياب الإيديولوجيات هو بالنسبة لي ليس شيئاً سوى العيش في العراء

حوارات استشرافية:عباس بيضون أن غياب الإيديولوجيات هو بالنسبة لي ليس شيئاً سوى العيش في العراء

· أن غياب الإيديولوجيات هو بالنسبة لي ليس شيئاً سوى العيش في العراء وأظن أن الحياة تغدو شجاعة حقاً وأحياناً بطولة وأحياناً مسؤولية شاقة وسيزيفية
· عندما أقرأ علي حرب أجد مؤمناً مغتبطاً مبتهجاً مالكاً واثقاً من نفسه داخلاً العالم بنشيد دولي. أظن نفسي أمام لاعب أكثر مما أرى نفسي أمام مفكر
· هذه المجتمعات كل مواطن فيها مدعو لأن يكون إرهابياً وقاسياً وقاتلاً
· عندما يكون العنف أساس تكوين المجتمع يتحول كل مواطن الى متواطئ وقاتل
· ما يهمني هو وجود ثقافة هامش ثقافة منبوذة لأنها طليعية تواجه ثقافة رسمية
· هنالك ثقافة بكاملها ما تزال هامشية، فالحداثة نفسها لا تزال في الهامش وتكافح لتبدو كلاسيكية أو مكرسة
· باستمرار كانت لي علاقة ملتبسة وإشكالية بجسدي، أنا رجل أعثر (maladroit) أي شخص لا يملك جسداً، أخرق يخطئ كل مرة في استعمال
جسده إذا أمسك كأساً تسقط منه، وإذا مشى إصطدم بكل شيء.

ما زلنا نعيش مشكلات قرون خلت، تتمثل بطبيعة العلاقة بين الفرد ومجتمعه، حيث النظر الى الأسئلة المتصلة بواقع تراتبي يبين مفاصل أساسية توضح علاقة المثقف ودوره في معالجة هذه المشكلات.
عباس بيضون ( السياسي واليساري في الحرب ) الشاعر والناقد,صاحب دواوين شعرية عدة ( صور – خلاء هذا القدح- صيد الأمثال – نقد الألم – زوار الشتوة الأولى – مدافن زجاجية – حجرات – أشقاء ندمنا – لمريض هو الأمل،-لُفظَ في البرد-) إضافة الى عدد من اشتغالاته النقدية وصولاً الى هذا السجال حيث يصرّح بأنه تعلّم أن لا يكون مفكراً لكنه فعل ما يترتب على شاعر يتأمل وفق ذاكرة حيّة وروح تصّر على الإختلاف. وها هو اليوم يدعو لإعادة إنتاج المختبر الثقافي اللبناني.
توجهنا إليه كي نتعارك معه، لكنه أغوانا بأجوبة وحديث شيّق في محاكمة قرن آفل /أحمد سليمان .

س عباس بيضون نبدأ معك سجالنا ونحن على مفترق قرنين، الأول يمضي الى أفول، والثاني ننظر إليه بريبة وقلق لا مثيل لهما، إذاً، ماذا يترتب على مثقف في نهاية قرن وبداية قرن آخر ؟
ج يصعب عليّ أن أضع حداً زمنياً واضحاً. إذ لا يكفي أن ينتهي القرن كي نكون انتهينا من الحرب وودعنا تاريخاً. فالمفترقات التاريخية تحصل عادة دون أن ننتبه لها وعادة ما نكون من أدواتها بدون وعي، نتابع إذا شئت، بمعنى آخر لا يمكن أن نملك القدرة على وعي مفترق زمني ونحن نعيش المفترق نفسه، ولا يكفي أن ينتهي القرن لأن نكون فعلاً دخلنا في عصر آخر، فالعصور والمراحل إذا وجدت حقاً لا تنحسر في حدود تسلسلية ولا تتبع تقويماً متزامناً أصلاً.
هل نرصد أنفسنا في العصر ؟ أظنني لا أستطيع أن أنتقل الى العصر التالي، يمكنك القول بأنني أشعر بفزع حقيقي حيال المستقبل، لأن القرن القادم في كل الأحوال لا يخصني، ولن يكون عصري أيضاً أشعر بأن هذه النسبة محزنة لأنها تدفننا قبل الأوان، فتجعلنا قبل أن ننتهي أبناء زمن سابق، لا أعرف إذا كنت مثلي تشعر هذه المفارقات، فأظنك شابٌ بالقدر الذي لا يسعك وأنت معي أن تعيش هذا الشعور، على خلافي وهذا مؤكد لأنني اشعر أن حياتي أنجزت كلها في القرن الآفل، وأن ثقافتي لنفسي أنجزت فيما مضى، بالتالي لن أكون في القرن القادم، إلاّ في حالة دفاع، سأكون في محاولة للتكييف، للحفاظ على قدر من المعاصرة، والإقتران مع الآتي.
لم أكن في يوم ما رجل تاريخ، يدأب على حفر تاريخه، وأقول ببساطة أنني لا أتجاوز كثيراً زمن تجربتي الخاصة ( هي كذلك تجربة خاصة على أية حال ) لست راصداً للتاريخ بهذا المعنى ولست قادراً على تمثل التحولات التاريخية التي تتحدث عنها في تقديمك، لأنه ببساطة كنت ذلك المثقف الضائع من التاريخ، أو الغائب عن التاريخ إذا جاز القول.
أن يكون المرء مثقفاً من العالم الثالث يعني أنه بصورة مستمرة في حالة من الغياب، والضياع بآن معاً، أن يكون من نخبة غامضة تكونت في مجتمع من مجتمعات العالم الثالث ذلك بأنه يجد نفسه باستمرار في هامش ما، داخل الوعي، تجد نفسه باستمرار في الوهم، ويجد نخبة صغيرة شأنها أن تصنع دراماها الكبيرة أو الصغيرة لتكتشف فيما بعد أنها لا شيء سوى الوهم.
أهم ما عشته شخصياً هو كمثقف بدا له نوع من الإنقطاع بل أسميه تسلحاً في المقام الأول، ذلك يحيل قولي بأن المثقف في العالم الثالث كبير من التسلح، والإنقطاع والخيانة خيانة اللغة والنبرة واللهجة والأصل والقرابة والموروث والأزياء القائمة، خيانة أسوأ وأفضل ما فيها أنها لا تكتمل وأن معظمها يدور في الوهم الذي ذكرته قبل قليل.
س تقول خيانة كأنك غير راضٍ عن كل موروث.
ج المسألة ليست هكذا وأعتقد أن مثقفاً يعيش طيلة حياته في وهم خيانته أكثر مما هو في خيانته الفعلية، أول ما نفعله هو التصدي الساذج، حيث نتوهم بأننا خارج الشرط التاريخي والزمني، وأنه بوسعنا أن نتكلم بحرية وأن نحلم وأن نكون أحراراً في رسالتنا وفي خيالاتنا ومشاريعنا وخياراتنا الى أبعد حد.
س بمعنى ما أن يكون هذا الشاعر خارج عصره.
ج لا أقول أن الشاعر خارج عصره وأتكلم كشاعر على كل الأحوال، لا أفهم من الشاعر، ليس الشاعر عرقاً خاصاً ولا نموذجاً بعينه، وأنا أتحدث في هذا الصدد عن مثقف في مجتمعي، يبدأ في الواقع من قطعة بينه وبين ناسه وثقافته وسطه وظرفه.
هذه القطيعة متوهمة، وأنها تمتاز بقدر من الإحساس الخادع بالحرية الكاذبة في هذه الحرية المخادعة والمخدوعة والمتوهجة تنشأ ثقافة في جوانبها فيما أظن قدرتها الكاملةإذا أجاز التعبير تجاهل الظرف والقدرات وتجاهل الإمكانات والواقع. هذان يفضيان الى خيارات إرادوية بالمطلق وهي تنشأ من مثقف حُذف خارج التاريخ لدرجة ظن معها أنه لا يحتاج الى أحكام للتاريخ والإحتكام للقدرة ولا الإحتكام للظرف وأنه يتخيل على هواه وأنه يطرح مثالاته سواء كانت تقليدية أو عربية أم غربية أو إشتراكية أو قومية فهي مثالات كاملة إرادوية.
س لكن ألآ ترى بأن الخيال الذي تزعمه سيكون في مقبل الأيام واقعاً آخر ؟
ج لا شيء يؤكد،.. فكرة عبادة الأحلام لا تهمني كثيراً لأن هذه الثقافة ثقافة عبادة الحلم واعتبار الحلم والكلام باستمرار عن تأسيس لمستقبل أظن أنها رومانطيقية الى حد كبير.
لا أحلم على حسابنا وهذا الحلم يغذي الحلم ولا يؤسس بالضرورة لمستقبل جديد- لا عبادة المستقبل تعنيني ولا عبادة الحلم في آن معاً.
س إذا لنحدد ما تقصده كمثقف ؟
ج المثقف الذي غاب باستمرار عن عصره لا أعرف في أي وقت أو عصر يوجد … ربما له عصره الخاص، عصر مثالاته.
س لعلّك ما تؤكده يقودنا للنظر إلى مثقف نموذجي.
ج أتكلم الآن عن دور مثقف، عن واقع المثقف ?موقعه، لا أتكلم عن دوره، ولا عن وظيفة متوخاة.
س أيضاً تحدثت أن هذا المثقف غائب عن التاريخ ولا يعرف الى ماذا يُحتكم ؟
ج هذا واقع لا أدينه وأمدحه.
س ما هي أسس الواقع إذاً ؟
ج لا أعرف حتى الواقع نفسه كصورة فوتغرافية، نعرف أنها ليست حقيقة وأن حقيقتها خادعة لكن يعني ما وجدته دائماً هو أن المثقف إذا كنا في مجال الكلام عن تاريخ شخصي فإن جل ما فعله المثقفون هو الحياة خارج الشرط أو الظرف التاريخي، ربما لأنهم لم يطبقوا هذا الظرف أو هذا الشرط بمعنى آخر قد يكونون في إنقطاعهم وشعورهم بالنبذ والهامشية أسسوا لأحلام أكبر ولمواطنية أضخم ولمجتمعات أعظم ولقوانين وشرائع أيضاً.
ما أود قوله هو عملية إسترداد هذا المثقف لا تنقطع انه يتسلح ويعيش في وهم الإنقطاع اكثر من الوظيفة نفسها الغالب أنه يُسترد في الأكثر والغالب أن يصحو من وهمه باكراً أن يعود من مثقف الى سياسي صغير أما الذين لا يستردون فيعيشون عادات تسلح مستمر، عادات القطيعة التي لا تكتمل، عذاب القطيعة والإستقلال، عذاب المثال الذي ليس أكيداً.
س إذن هل يمكننا أن نتحدث عن تراجع الإيدلوجيات، وتشظي الأسئلة تعقيباً لما ذكرت بأن المثقف يعيش خارج عصره وأحلامه ؟
ج لا أود أن أتكلم عن نفسي إنما وصفت المثقف على النحو الذي ذكرته أنت الآن عندما يتكلم الكثيرون عن عصر (…) أعرف أنني أمام زي آخر من أزياء الكلام، هناك بالتأكيد إنهيارات إيديولوجية وأنا من الذين عاشوا أمراً كهذا.
س كنت في تنظيم سابق ؟.
ج كنت ماركسياً ولم أعد ماركسياً، قومياً ولم أعد قومياً، كنت لبنانياً ولم أعد لبنانياً.
س بالمعنى المكاني أم بالمعنى الإفتراضي.
ج لا … لا لبنانياً بالمعنى الإيديولوجي، لبنانوياً، يعني كنت قوموياً عروبياً ماركسوياً لبنانوياً، بمعنى مررت في عدد من الإنتماءات.
س لنتفق، ماذا تعني بـ لبنانوياً ؟
ج بالنسبة لي هي نوع من ( القومية اللبنانية) أو أنها العصبية اللبنانية.. إذ كان من المستحيل أن أسميها قومية لبنانية، فلنسمها عصبية لبنانية، كنت والآن لا أستطيع أن أصف نفسي بشيء حتى إسم ليبرالي لا يعني لي الكثير. فالذين يسمون أنفسهم ليبراليين أجدهم عثروا على تسمية تريحهم بخلافي لا أملك إسماً لأسميه لنفسي، لا أملك الوقت لأجد إسماً بعد، أعرف عذاب الإيديولوجيات ولا أتصور مجتمعات وهي عبارة عن صحراء إيديولوجيات. أن تكون مالكاً لزمنك ولتاريخك وبنفسك وبلغتك ولمستقبلك ثم تصحو فتجد بأنك لا تملك شيئاً. أن تنتقل في إلحادات متوالية، أن نبدأ بالإلحاد العربي ثم الإلحاد القومي ثم الإلحاد الماركسي ثم تبدأ في قرارتك لتلحد بالإنسان نفسه نتكلم الآن خارج الأيديولوجيات ولا أجد أكثر دعوية من الدعوة الى انهيار الأيديولوجيات ولم أجد ديناً أكثر تديناً من هذا الدين الإيديولوجي، أتكلم أحياناً مع أنصار البيئة فأجد أحفاد الماركسية وأتكلم مع دعاة عصر لا إيديولوجي فأجد أنهم مشايخ بالمعنى الحقيقي للكلمة ويفاجؤني اعتباطهم بالمستقبل وبأنفسهم وما يرفقه من تبعات ومواضع يذكرني هذا الأمر باستمرار بالماركسيين القدامى والحالمين، هذا الكلام عن إنهيار الأيديولوجيات وخاصة عندما يقوله مثقف عربي أجده في الغالب سذاجة جديدة فقزة أخرى في الهواء. بالتأكيد إنهارت الماركسية لكن القليلين من الماركسيين السابقين وكلنا ماركسيون سابقون حتى عن غير علم منا ودون إنتباه أو وعي، الماركسيون السابقون قلما يتعظون بنهاية الماركسية وقلما يشعرون ببعد العالم، بلا يقين مطلق وبلفحة من الشكوك وبالنسبيات الدائمة، فالماركسيات حين تترنح تخون نفسها فلا يبقى العالم بالنسبة لها ظرفياً ونسبياً بل تؤبده في استتبابها وترسخها وتجعل المستقبل أبدياً وتتحول بذلك الى دين أما حين تنتهي الماركسية فيغدو العالم ماركسياً أكثر بعد انهيار الماركسية فينا تظهر في لا وعينا النظري. فكأننا حينذاك نعيد البحث عنها أو نسعى الى توليدها من جديد. فعلت الماركسية شيئاً من التبشير بفرح العصر، يعني فرح التقدم العلمي والتكنولوجي والإقتصادي، الفرح بتقدم في الغالب لا ننال شيئاً منه، ولسنا سوى ضحاياه المباشرين أظن بكل بساطة أن غياب الإيديولوجيات ليس شيئاً بالنسبة لي ليس شيئاً سوى العيش في العراء وأظن أن الحياة عند ذاك تغدو شجاعة حقاً وأحيانا بطولية وأحياناً مسؤولية شاقة وسيزيفية وذلك، هو العيش في العراء، ترحل الإيديولوجيات لتتركنا الى فترة لا نعرف متى تنتهي.
س سيزيفيين، بمعنى أن ماركس ذكر بأن الشيوعية ستبقى كطيف في سماء أوربا. يحيلني كلامك بأن العالم بلا ماركسية أشبه بجحيم، بمعنى آخر ذكرت أننا ماركسيون دون أن نعلم ألآ ترى أن وجودنا في هذا العراك كسيزيفيين اكتسبناه من الماركسية كحلم لمجابهة هذا المستحيل ؟
ج لا أستطيع أن أنسب الى الماركسية ذلك. نحن نتحدث عن الشك العميق بعالموية ما بعد الماركسية، وعصروية ما بعد الماركسية. أتكلم عن المثقفين العرب بشكل خاص. أنا أعلم أن ثمة من الآن -( دوبروي ) مثلاً ما بعد الماركسية دون إدعاء – يسعون الى أن يقدموا العالم كما هو بعد زوال المشروع. ما بعد الماركسية ( عالم في العراء ) عالم من الرعب ومن المسؤولية السيزيفية وعالم لا يكاد يعرف دور الإنسان فيه ومكانته. الإحتمال الشجاع معرفة بعض المثقفين ما معنى أن نوجد في عالم كهذا. ما يضحكني مثقفونا المغتبطون بانهيار الإيديولوجيات. عندما أقرأ علي حرب أجد مؤمناً مغتبطاً مبتهجاً مالكاً واثقاً من نفسه داخلاً العالم بنشيد دولي. أظن نفسي أمام لاعب أكثر مما أرى نفسي أمام مفكر. لا أظن دوبروي مثلاً على هذه الدرجة من السعادة. عندما اشتعلت حرب الخليج وجدنا مجالاً لمديح ثقافة الصورة بوصفها عصراً جديداً وثقافة تجاوزت الكلام وقلنا إن صدام حسين هو الكلام بينما كلينتون هو الصورة. قلنا أن CNN هي الصورة والعرب هم الكلام دوبروي يظن أنه من المرعب أن يسود عصر الصورة (وأنا معه) .
س نود أن نتكلم عن المطبوعات الثقافية التي تركت أثراً وفيما بعد قرأنا عن مشاريع ثقافية. ما هي ملاحظاتك عن هذه الظاهرة ( لبنانياً ) ؟
ج هنالك حركات وتجمعات وأطر ثقافية والحديث متشعب هنا. مجلة شعر كنت عضواً متأخراً فيها ولم أكن الوحيد الذي يحسب نفسه كذلك. بالطبع هناك إتجاهات كثيرة غير متجانسة أدبياً وفنياً، وهناك حركات لا نعرف ما الذي يجمعها إلاّ فيما بعد. لم يكن في مجلة شعر بيان واضح وكل ما كان واضحاً وجلياً في مجلة شعر لم يعد يجد نوعاً من التبشير بمعاصرة بلا حدود. هذه الدعوة لم تكن مفصلة على الإطلاق، الأرجح أنها كانت إدعاءً كبيراً لأن ما اجتمع عليه أركانها هو نوع من إفتراض القطيعة الكاملة مع الماضي مع الهوية، مع السابق. الحقيقة أن ذلك هو حلم الولادة الذاتية. فأنسي الحاج أو أدونيس أو شوقي أبو شقرا حين تقرأهم تجد أن تجمع هؤلاء هو غبطة الولادة الذاتية. باختصار ذلك هو رد إيديولوجي الموارد للنخب المرفوضة ولجماعة تملك تصوراً للتاريخ تفضل العودة به الى تواريخ ما قبل عربية (أي معارضة التاريخ ما قبل العري). وتعزز بشكل أو بآخر مكانتها ووجودها في عصر غير محدد. إذا كان لي أن ألخص ما قلته فإن هناك نخب تضع بدايتها الذاتية مقابل ولادة تاريخية، وهناك ما هو ( أنتي عربية ) نزعة مضادة للعربية تبحث عن الماضي فمجلة شعر كانت ذات طبيعة إيديولوجية أكثر منها شعرية، ومشروع مجلة شعر لم يكن في الغالب مشروعاً شعرياً. وشعراء مجلة شعر رفضوا بصورة مستمرة أي تحديد للشعر أو أي إستقلال للشاعر. كان الشاعر بالنسبة لأعضاء مجلة شعر مشروعاً إيديولوجياً. نجد هذا عند أدونيس كما عند أنسي الحاج. قلما نجد عند أنسي الحاج في ( لن ) مثلاً أو عند أدونيس في ( أغاني مهيار الدمشقي ) هذا الإستقلال الفعلي بالشعر، الإثنان جعلا من الشعر ركيزة إيديولوجيا أخرى.
س أكانوا أسرى مدارس سياسية ؟
ج لا أتحدث أنا عن سياسة بل عن تصوّر الشعر كركيزة إيديولوجية متكاملة أتحدث عن مفهوم للشعر لا إيديولوجيا كاملة فحسب بل بديل ثقافي كامل من أجل ذلك نجد أن ما فعلته المجلة هو تحطيم إستقلال الشاعر تحطيم حدوده توسيعه ولكن بشكل ينهيه. خلطه بمشروع إعتراضي شامل في حين انه لا يعنينا كشكل وبنية وعنصر قائم بذاته.
س ألا تلاحظ أن هذه الظاهرة تعد من أبرز سمات الشعر العربي الحديث ؟
ج ما أقوله هو قراءة شخص تسنى له أن يعمل على مجلة شعر. عملت على مجلة شعر في واحد من حلقات دراستي الجامعية. قرأتها وشعرت كما أشعر الآن أنها قلما اهتمت بالشعر وأن الشعر بالنسبة لها لم يكن غرضها فهي مشروع متكامل قيل بغموض ودهاء وإدعاء، لكن نجد نقداً جدياً للشعر فيها.
س ممكن تستحضر بعض الأسماء.
ج مثل نقد مجلة شعر لسعيد عقل في أن ما يعوزه في الواقع هو الإيديولوجيا لكونه يقدم الشعر دون فكرة عميقة ( كما يرون ) عندما نقرأ ( لن ) نجد انها هي مونولوغ ضخم يقول كل شيء، لا أقول باستقلال القصيدة. ما أقوله أن توسيع الشعر بهذا النحو لا يتم إرادياً، وبالتالي فان الشعر عند شعراء مجلة شعر لم يكن موجوداً إلاّ كذريعة وكعنوان لمشروع أكبر، إلاّ كمثالية ويوتوبيا، كاسم أكبر لثقافة كاملة. فيما يتعلق بمجلة الآداب، كانت حركة فعلية لم تكن متجانسة لكنها اتصلت بصور أخرى واعية تمام الوعي بالنهوض القومي داعية الى نوع من فلسفة قومية، في هذا الجانب كانت مع مفكريها تعمل في فراغ لأنها لم تستطع صناعة هذه الفلسفة القومية التي حاولت وحاولوا بناءها على الوجودية وغيرها. على كل حال هذه المجلة مثلت. حركة واسعة عربياً في مجال القصة والشعر والنقد وكانت طموحة الى درجة محاولة صناعة شيء في مجال الفن التشكيلي نفسه. شكلت نوعاً من سفير حقيقي وصنعت مركزاً حقيقياً للثقافة العربية وأنشأت بصورة جلية محطة حوار ثقافي أدبي عربي. والى حد كبير الحركة الشعرية والأدبية الحديثة مدينة لها أكثر مما هي مدينة لغيرها، أما مشروع الندوة اللبنانية ومشروع إنشاء ثقافة لبنانية وبوجه خاص فلسفة للدولة والحكم اللبناني وثقافة الدولة. كان رواد هذه الندوة هم مثقفوا الحكام. الندوة بنت إستقلال وإنشاء الجمهورية اللبنانية. حينها كان الإستقلال اللبناني عامراً بالأحلام وكان الحلم قائماً على فلسفة وثقافة. شارك فيها كل المثقفين السياسيين. لكن هذه الندوة كانت بنت مشروع الدولة اللبنانية الذي إنتهى. فالدولة اللبنانية الحديثة كمركز حوار وكمركز تثقيف مشروع إنتهى.
س هل نتحدث بشكل موجز عن بعض سمات القرن العشرين بدءاً من النزاعات الى القمع والإرهاب. لنتحدث عن المفهوم العام لذلك إن كانت تقف خلفه حكومات أو جماعات وخاصة هناك من بدأ ينظر لمفهوم الثورة كأننا بها تمثل حالة من الشغب ويجب تحجيمها ويجب طمس دورها بغض النظر عن مشروعيتها وأهميتها وجدواها.
ج للأسف تحولت بعض الثورات الى نوع من الإرهاب المستأجر من كل جهة، فهي نوع من العنف المجاني، وتحولات بعض الدول – في عصرنا – الى بؤر إرهاب بشكل أو بآخر، وتحول الدول نفسها الى نوع من المافيات المعقدة المحسوبة. ونحن نتحدث عن القمع لا نبتعد كثيراً عن أنفسنا وعن بلادنا. هذه البلاد كافية ووافية لهذا الغرض. نحن نعيش في دول صورية وهي ليست سوى عصابات منظمة ومموهة، وتعطي لنفسها أسماء كبرى قومية. عصابات قرية ومدينة وجماعة وطائفة، ومع ذلك إذا جاز التعبير تجمع بين سذاجة المثقفي وبين أوهام العصابة التي تبدأ بالمثقفين وتنتهي بالقبائل والعشائر. تبدأ بمعلمي المدارس وضباط وتنتهي بطوائف ومذاهب ومدن وقرى. العنف هو مقياس هذا النوع من الأنظمة المعزولة تماماً والصورية تماماً والتي ترسخ الوهم عن نفسها وتخفي حقيقتها الصغيرة بالدم. هذه المجتمعات كل مواطن فيها مدعو لأن يكون إرهابياً وقاسياً وقاتلاً.
في العراق مثلاً تجد نفسك في مجتمع كل مواطن فيه مدعو لأن يخرج عن القانون بأمر من القانون وبأمر من الدولة والنظام، كل مواطن مدعو لأن يكون غانغستر أو رجل عصابة عندما يكون العنف أساس تكوين المجتمع يتحول كل مواطن الى متواطئ وقاتل (الحرب اللبنانية مثلاً) حتى إذا لم يشأ ذلك. لأن علاقات العنف والنبذ والإستئصال تغدو القاعدة وهذه القاعدة هي الأساس فالجماعات لا تحتمل بعضها بعضاً إلاّ بحكم مساومة قصيرة الأمد. وبدون أن تكون المساومة قائمة على أي ثوابت.
س لنضع الكرة في مرماها، كنت قريباً من منظمة العمل الشيوعي.
ج كنت في الحزب الشيوعي قبل الحرب وخرجت منه في الحرب. وكانت الحرب ( كما أرى) بين طرفين انتميت الى أحدهما ثم خرجت.
س هناك مجموعة حالات من القمع الثقافي سواء كان يُمارس في الصفحات الثقافية، أو المراكز والأندية والملتقيات. هناك من يدعي أنه مضطهد من قبل الصفحات الثقافية ولا تتاح لهم الفرصة ليبرزوا ويعبروا عن مناخاتهم.
ج ما يهمني في وجود هامش أن يكون حقيقياً. وليس مجرد ألآ يجد كاتب فرصة للنشر أو لأمر أو آخر لا يجد مجالاً ليفرض نفسه. علاقات الثقافة والعلاقات الإجتماعية تتداخل، ولا نستطيع أن نقول إن الشهرة والإسم تنشأ فقط من الجدارة الثقافية فهذه أمور تملك آليتها المعقدة. حتى القراءة.. هناك كاتب يُقرأ بوفرة دون أن يكون كاتباً مهماً، وهناك كاتب مهم لا يجد قارئاً. هذه عملية لا نستطيع التحكم بها ووضعها تحت إسم مافيا، وكل ما نستطيع قوله أن الهامش المنبوذ هو حلم أكثر مما هو حقيقة، الهامش المنبوذ الذي يتضمن ثقافة مضطهدة ليس شخصاً أو مثقفاً مضطهداً. هناك مثقفون كثر ولأسباب إجتماعية ثقافياً لا يجدون مكاناً كافياً، وأنا أيضاً أملك أمثلة. ما يهمني هو وجود ثقافة هامش ثقافة منبوذة لأنها طليعية تواجه ثقافة رسمية. هذا ما أظن أننا لسنا الآن بصدده، والمحزن أن نظن أننا أكلنا الهامش. ويمكن أن نتكلم بصورة مستمرة عن وجود هامش لكنه قلما يعبر عن نفسه. هذا الهامش لا يبدو مختلفاً وهنالك دائماً ما هو مسكوت عنه، وحين يستطيع الهامش أن يمتلك بجدارة هنا التبني المسكوت عنه، عندئذ يمكن أن نجد معنى للألفاظ. ثقافتنا قصيرة العمر والحداثة على وشك أن تنتهي لا لتؤسس لما بعد الحداثة بل لتدل على ضحالة الحداثة. على سرعة إنشائها لأنظمتها، على سرعة تكرسها، وتحولها الى نوع من ديانة هي أضيق في أحيان كثيرة مما حاربته، ويمكن أن نتكلم عن ابتلاع الهوامش، الثقافة تقريباً بلا هوامش لا لأنها حرة وغير محظورة، بل لأن ما سميناه ثقافتنا ضحل وبلا درجة تجعله يستهلك نفسه بسرعة هائلة.
س يتبادر بذهني شيء آخر. هؤلاء الهوامش نجدهم يمارسون مسلكيات قد تبدو للوهلة الأولى شيء من الهوس والشغب وهناك من يتيح المجال لممارسة هذا الشغب والهوس. إلى أي مدى يشكلون حالة؟

ج هذه عملية إجتماعية لا نريد التدّخل فيها. كل ما أقوله أن هذا الهامش لا يبدو مستقلاً بما يكفي.
س عدم إستقلالية الهامش يتيح لبعض القيمين على الصفحات الثقفافية ومنافذ التعبير أن يجعل منهم أبطالاً واهمين؟
ج هذا لا يدل على شيء، فالثقافة في حيز الإختبار. هنالك ثقافة بكاملها ما تزال هامشية، فالحداثة نفسها لا تزال في الهامش وتكافح لتبدو كلاسيكية أو مكرسة، لكن المشروع كله لا يزال في حالة من الصورية – إذا جاز التعبير – وأركانه وهوامشه سواء من حيث المكان أو التكريس ( عندما إنتهت الحرب اللبنانية وجدنا أمراً عجيباً، وجدنا كل الناس متساوين، الأركان والرواد والكبار والصغار وتصرفوا كمتساوين لأنهم ببساطة في لحظة الحرب لم تكن لهم مشروعية وهم متساوون في لا مشروعيتهم وفي هامشيتهم، وجدنا ان هذا الجمع وهذه الأجيال كلها على حد سواء في الهامشية وفي اللامشروعية ).
س أما عن إصطلاح ” أجيال “، نرى أن هذه التسمية قاصرة وملتبسة حيث يختلط الشاعر والكاتب المبدع مع كسالى المعرفة. كيف تنظر الى ذلك ؟
ج الأجيال مصطلح تاريخي. أضحك عندما أجد الشعراء والنقاد يتحدثون عن أنفسهم كجيل وعن الآخرين كجيل. هذا المصطلح نتركه للمؤرخين والمعلقين. مشكلة من هم في الساحة أنهم لا يستطيعون الحديث عن أنفسهم بهذه العينة الزمنية، بهذا التزمين الواضح، فالمصطلح عام، ونحن نقسم الناس الى “أجيال” بعد أن تنتهي المرحلة ونستطيع أن نميز أجيالاً حين يكون التاريخ أمامنا منجزاً وحاصلاً ومنتهياً. في كل فترة زمنية نجد إلحاحاً ما في موضوع اللغة والعبارة على مجموعة من الفنانين والكتاب. هذا الإلحاح يملك عمراً محدداً. كل زمن بصورة أو بأخرى كما رأى الشكلانيون الروس، يملك عبارته. هذه العبارة تحتاج الى أن ينتهي تاريخها لنراها. نتحدث عن أجيال بينما نحن لا نزال فيها.
تستطيع أن تجد صلة ما بين شاعر في العصر الجاهلي وشاعر في العصر الحديث. الشعراء متناظرون لامتسلسلون ( في نظري ). من الوهم الكلام عن حركة تقدم، عندما يستعمل مصطلح جيل من قبل الناس الذين يعيشونه لا من قبل المؤرخين يبدو (إجتماعياً). بمعنى آخر هناك جيل له من العمر يستحق معه أن تكن له إحتراماً إضافياً كأن الجيل هو نوع من شهادة تجربة أو خبرة، وهناك ثمن للخبرة والشاعر والكاتب والفنان القديم يُطالب بثمن الخبرة، ويجد أن الخبرة تعطيه إمتيازاً على الجديد. مفهوم الرواد هنا مفهوم الأسبقية، هناك أناس يمتلكون الأسبقية وبها يستحقون إحتراماً ما. وهذا طبعاً مفهوم إجتماعي أقرب الى الوجاهة أو الأبوة، ولا يملك المعنى الأدبي أو الفني أو الثقافي.
س هناك مقولة تفيد أن ثلثي الكتاب والفنانين العرب تقدم لهم دولهم تمويلاً. بماذا تعلّق ؟
ج لا أظن الرقم صحيحاً. هناك أنظمة وبلدان تقوم بذلك. وأظن مصر من البلدان القليلة التي أستطيع التحدث عنها بتحفظ. لا أستطيع تخيل لبنان أو تونس أو المغرب من هذه البلدان. هذا قد ينطبق على بلدان لا تزال فيها الثقافة مؤممة وهي تفترض أن المثقفين جميعاً يعملون في الدولة، وأنك لا تنشر ولا تكتب ولا تسافر ولا تتفرغ ولا تبحث ولا تعمل إلاّ في الدولة. هذا صحيح لكنه وهمي، لأن الصحف القومية كما يقال في مصر لا تفترض أن كل الذين يعملون لديها أدوات، وكل الذين يكتبون فيها أدوات، من الممكن الحديث عن ثقافة لا تستطيع أن تخرج نهائياً من شراك السلطة. هذا الوضع مأساوي ولا يسعنا معه إدانة الكتّاب لأنهم يتحولون الى خدم أو أدوات بل يتحولون الى متلقي فتات والى نوع من فقراء السلطة، والى نوع من مرتبة دنيا -إذا جاز التعبير- هذا يجعل وضعهم شقياً ويضيف الى موضوعاتهم موضوعاً خاصاً وأزمة خاصة، ويضيف عبئاً جديداً ووضعاً إستثنائياً لا يجد زملاؤهم في بلدان أخرى إضطراراً للتحرر منه.
س إذا كان هناك ثنائيات معينة بتقديم نموذج ما، لماذا يبدو المثقف العربي عبر تلقيه للآخر الغربي تابعاً ؟
ج هذا السؤال كما تعلم يشكل واحداً من محاور ثقافتنا وهو أحد الأسئلة التي درجنا على استحضارها في كل مرة والتفكير فيها في كل آن. ورغم أن الإشكالية لا تتطور كثيراً وأن طول البحث فيها لا يجعلها أكثر وضوحاً، بل يجعلها تزداد إنغلاقاً وولا تنمو إلا لتغدو نوعاً من كليشيهات ثقافية. أقول : يجب أن نتخلص من الإرادوية فمن الهزل أن نضع أنفسنا كذات مقابل الغرب كآخر لأننا لا نجد لأنفسنا شكلاً ولا نجد لأنفسنا جمعاً ولا نجد لأنفسنا هوية نستطيع أن نسميها إنطلاقاً من الأنا. على الأقل هذا المطرح يقتضي دائرة من التواضع، ومن الإعتراف بحيث نتخلص من ماذا ثنائية الأنا والغرب. لماذا لا نقول أننا لا نملك لأنفسنا صفة وإسماً وتحديداً يجعلنا نواجه أحداً. فماذا لو علمنا أن المدعو الآخر موجود بدرجات متفاوتة في بنائنا الخاص والشخصي أو أن ما نسميه الأنا، ما نسميه الأنا في الغالب ليس سوى وعي غربي ضحل وسوى معرفة ضحلة وسخيفة. عندما نرى أن الأنا ليس سوى رد ضحل وقليل المعرفة على ما نسميه الآخر. عندما نرى أن المشكلة ليست في حربنا الضروس مع الغرب وإنما في كسلنا وتأخرنا عن فهم الغرب وفي إدعاء أن معرفتنا الضحلة به شاملة وكافية، والإدعاء الأعظم والأضخم هو أننا نستطيع أن نحدد الغرب، أن نعرّف الغرب.
وأن نضع للغرب ماهية. في الواقع ان مثقفينا هم في غالب الأمر كسالى يعرفون بعض الكليشهات الغربية وينطلقون منها لإنشاء دونكيشوتية ثقافية كاملة يستعيرون فيها الكليشهات الغربية الصغيرة التي يعرفونها لبناء أنا زائفة ومنتفخة، ولبناء آخر مُدّعى ومزعوم هو الغرب. في هذه المعركة الدونكيشوتية نستطيع أن نفعل ما نشاء، نستطيع أن نخترع الأنا ونخترع الغرب، نخترع الأنا ونخترع الآخر، نخترع المعركة بوجه آخر فيما الأمور الحقيقية تدور في مكان آخر تماماً. نحن لا نحترم مثقفاً إذا لم يكن متغرباً على نحو ما. وإذا كان لا يعرف كثيراً أو قليلاً من الثقافة الغربية. نحن لا نستطيع أن نتخيل ( ثقافة عربية ) خالصة وقائمة بنفسها وبرأسها نحن لا نملك شيئاً نسميه عربياً. ما نسميه الأنا هذه ليس سوى غثاثات غربية ولا أستطيع أن أضحك وأقول لك أن كل ما قلناه عن معرفة العودة الى الأنا واللامركزية الثقافية وإحترام الإستقلال الثقافي لكل حضارة وكل جماعة. أن هذا الكلام غربي تماماً وأن نقد الغرب جاء من الغرب. هذا الكلام في الواقع مضحك وليس مضحكاً. هو في الواقع دونيتنا تجاه الغرب. ما هو مأساوي حقاً دونيتنا تجاه الغرب، وليس هذا الحوار ولا هذه المعركة. ما هو مأساوي هو أن الغرب لا يزال دائماً مثالاً بعيداً عنا وأننا لا نملك اتجاه هذا المثال البعيد سوى التذمر والشكوى والضغينة والحقد والحسد والكراهية. بمعنى أننا لا نقدر على محاكاة هذا المثال الغربي لأن الثقافة الغربية تملك أكثر فأكثر ركائز بناء لا نستطيع اللحاق بها ولأننا لا نملك اتجاه هذا الآخر الغربي سوى الركون إما لمعرفة صغيرة وإما لكسل كبير. لا يعني ذلك أن الغرب كآخر غير موجود، هو موجود لكن في صلب مشكلات أعمق ولا أستطيع طرحها على مستوى ضحل إيديولوجياً سياسياً. يمكن التساؤل ببساطة : ما هي المخيلة العربية في مواجهة مخيلة عالمية ؟ هنا سؤال أبسط، ما هي الأوبرا العربية ؟ أنا فكرت مثلاً أن التجويد القرآني فن عظيم ويكاد يجاري الأوبرا العالمية. أنا لا يهمني أن يكون عندي أوبرا. عندما أجد أن كل القوميين والإسلامويين والعروبويين يذهبون لسماع ( بافاروتي ) ليبدوا جديرين بالإحترام. أضحك طبعاً. ولكن أسأل نفسي: هل نملك فعلاً – قبل الحكي عن معركة الأنا والآخر – إحتراماً للذات بالمعنى البسيط للكلمة، إحتراماً لوجوهنا، لأسمائنا، لحقنا في الحياة، لتراثنا. معركة مارسيل خليفة مضحكة بالنسبة لي لأنهم يريدون أن يحرموننا من شيء عظيم صنعناه بتجويد القرآن. وكفن كبير وعظيم وتاريخي صنعناه جيلاً بعد جيل ووصل الى درجة من الرقي والنقاء ومن الكمال حتى. لا أريد أن أتكلم أكثر من ذلك. لكن هناك أسئلة كبرى ليست دونكيشوتية ثقافية بين الأنا والآخر، مسألة سعي مستمر لاحترام الذات بدون أن يكون هذا الإحترام حرباً وضغينة وكرهاً، وبدون أن يكون دونية. طبعاً يئست من القائمين على التغريب. التغريب شاق علينا، نحن لا نستطيع أن نلحق الغرب، وهذا أمر لا قبل لنا به، ولا أريد أن أمتدح الآخر في الغرب أقول : نحن موجودون على نحو آخر وينبغي أن نقبل أنفسنا وبدون أن نقبل أنفسنا بدون أن نصنع من هذا الوجود الإشكالي معركة مع الآخر. وهذه لا تعني سوى الشقاء بالذات والعجز عن إحتمال أنفسنا، وإضطرارنا الى كره الآخرين لمجرد أنهم يشعروننا بشقائنا ودونيتنا.
س الملاحظ في الأعوام الأخيرة ذلك الحجم من الإثارة لقضايا حقوق الإنسان في العالم العربي، حيث ينظر الى غير نظام فاعل في موقع لا يخوله الدخول في أي حوار حقيقي ما لم يحسم مشاكله المتعلقة بقضايا حقوق الإنسان. ما هو تعليقك ؟
ج هذه الأنظمة لا تملك فقط حساباً أسود في مجال حقوق الإنسان وتملك حسابياً – إذا جاز التعبير – ملفات سوداء في كل المجالات. لا نستطيع أن نقول أن هذه الخطيئة الوحيدة لأنظمة لم تحتقر شعبها فحسب، ولكن في أغلب الأحيان تحولت – كما سبق القول – الى مافيات منظمة لنهبه وسرقته، وبناء نظام عصابة على حسابه. فالكلام هنا عن حقوق الإنسان من نافل القول، من لزوم ما لا يلزم، لأن هذه الأنظمة التي هي عبارة عن شركات نهب لشعوبها لا تملك لا في أساس تكوينها ولا بنيانها مسألة حق، مسألة الحق غير مطروحة، هذه أنظمة إغتصاب، وعندما يكون النظام نظام إغتصاب فالكلام عن الحق هنا من نافل الكلام.
س سأتجه بك الى سؤال عفوي وبريء : كيف يفكر جسدك ؟
ج هذا سؤال ليس عفوياً ولا بريئاً، ومشكلته أنه سؤال حياة. لا أستطيع أن أتكلم عن جسدي وكأنه موضوع من موضوعاتي. أظن أن جزءاً كبيراً من كتاباتي يدور في هذا الكلام سواء سميته أم لم أسمّه، وجزء كبير من كتاباتي وتفكيري هو هذه العلاقة بهذا الجسد، هو علاقتي بجسدي هو علاقة جسدي بي، هو لغة جسدي ولغة رأسي، هو لغتي أنا.. الخ لا أريد أن أجيب عن سؤال بهذا العرض. باستمرار كانت لي علاقة ملتبسة وإشكالية بجسدي، أنا رجل أسمي نفسي أعثر maladroit ) ( أي شخص لا يملك جسداً، شخصاً أخرق يخطئ كل مرة في استعمال جسده. إذا أمسك كأساً تسقط منه، وإذا مشى إصطدم بكل شيء، جسده يبدو بصورة أو بأخرى كأنه فالت منه. أو جسده يبدو بشكل أو بآخر كأنه فوضى خاصة. كانت هذه باستمرار مسألتي، مسألة رجل يحمل جسداً أخرقاً جسداً أعثر، رجل يملك هذه الصلة، وهذه اللحظة الناقصة دائماً مع جسده، هذه اللحظة الأخيرة الناقصة دائماً في العلاقة مع جسدي. هذا يستدعي تاريخاً كاملاً قد يكون بصورة أو بأخرى تاريخ حياتي وسيرتي الشخصية.
س كيف تفسر الوقت كشاعر، متى تستيقظ، متى تخلد الى النوم، متى تكتب ؟؟
ج أستيقظ باكراً في العادة، ولا أنام أصلاً إلاّ على نحو قلق، وأستيقظ عدة مرات في الليل، ولا أنام إلاّ حين يسرقني النوم، وأجدني نائماً هكذا أو أجدني مستيقظاً، وأستيقظ باكراً في العادة، ولا أحتمل النوم كثيراً، أقرأ ما أن أستيقظ أي شيء، جريدة، مقالاً مهماً، كتاباً أقرأ وأنا أدخل الى الحمام، أقرأ لأستطيع أن أنهي نهاري، أقرأ كما يدخن الآخرون مثلاً وأقرأ مهماً وغير مهم، وأنسى ما قرأته أصلاً.
س القراءة كما يدخن الآخرون أحياناً تكون قراءة اللاشيء.
ج قد تكون اللاشيء، لا أقول أن القراءة.. هذه قراءة هي نوع من الإدمان السخيف أحياناً والجيد أحياناً أخرى. لا أقرأ من أجل تثقيف نفسي وبنائها.. هذه صفحات كما ترى أزجي فيها وقتي.
س هل تعني أنك مكتظ ومكتمل ؟
ج لا على الإطلاق لا مكتظ ولا مكتمل. دائماً أفكر في نفسي وفي ثقافتي فأضحك. لم أكتمل في مجال ولم أتعمق في مجال، وقرأت دائماً باستمرار ما أنساه ولا أعرف ماذا فعلت بهذه القراءات وهل قرأت حقاً أم لم أقرأ. وهل أنا مثقف أم غير مثقف. هذا موضوع أجده الآن غير مهم، فكل ما فعلته أن القراءة دخلت في نظام حياتي، وليس ذلك وحسب بل دخلت في عاداتي. أملك عادة القراءة دون أن تكون القراءة مهمة، ربما لأن القراءة باتت عادة فهي عادة ككل عادة، وأفعلها بدون إنتباه. أي أنني أقرأ فقط لأزجي وقتي، أقرأ لأنني أجلس في الحمام مثلاً على ( البيديه ) وأقرأ، لا أظن أن هذا فعلاً ثقافياً أو لا طلب علم. ما يهمني كثيراً أن أُحسن الكلام، أن أتكلم عن نفسي وعن أشيائي من قريب. هذا كل ما يهمني. أن أتكلم من قريب وأتكلم عن سخفي بقدر ما أتكلم عن لا سخفي.
س نستطيع القول إن حوارنا ما زال مفتوحاً ولم يكتمل، بناءً على كلامك بأنك مشروع لم يكتمل ( عباس : لا أحد يكتمل، لا أرى سوى تيارات. فلا نملك حياة، تساعدنا على الإكتمال، لسنا أشياء لنكتمل ولسنا سوى مشاريع ) ختاماً أسأل لا أدري، الى أي مدى تفاعلت مع أسئلتنا ولك أن تضيف ما أغفلناه سهواً ولنقل بأننا في الختام بدأنا الحوار مع عباس بيضون.
ج الكلمة أفقدها دائماً. كل حياتي أحاول أن أجد خاتمة لشيء ما، حتى قصائدي أجد صعوبة في ختامها، وأجد أن الخاتمة أسخف ما فيها، ودائماً أرتد على خواتيمي. قصيدة “صور” مثلاً، أسخف ما فيها قسم الخاتمة. لا أجد خاتمة حقيقية لشيء. لا أملك هذه الكلمة الأخيرة. أجبت على أسئلتك بداعي الإلتزام ومعظم هذه الأسئلة لم تكن واردة بالنسبة لي، لم أفكر فيها كثيراً، دائماً بدأت وإنتهيت من إجابات ناقصة. حاولت أن أبني إجابة على عنصر أو عنصرين مع العلم أن هناك عناصر أخرى مفقودة في المحاكمة الكلية. أجد صعوبة في أن أتكلم كمفكر لأنني تعلمت أن لا أكون مفكراً، ربما قنعت بعد عمر كبير أن إختيار الشعر ليس شيئاً سوى الهرب من التحديد، سوى قول كلام لا مسؤولية عليه، ولا مسؤولية عنه، سوى قول كلام متروك للآخرين تماماً، وربما لهذا أمدح الشعر. ما وصلت إليه هو قدر من النسك، قدر من الرهبة في قول كلام لا يضر ولا يؤذي أحداً. كان (هولدارلين) يقول أن “الشعر هو الأكثر براءة” لم أصدق (هولدارلين) لكن بهذا المعنى : الشعر هو الأكثر براءة، ربما لأنه الأقل فعلاً.

عن أحمد سليمان

من مواليد 27 / 12 – 1968 – سوريا – عاش في بيروت بين ( 1990 و 2003 ) . كتب بالصحافة اللبنانية والعربية حتى لحظة و صوله أوروبا حيث كتب بمجال الحريات المدنية . لأحمدسليمان دواوين شعرية خمسة و كتاب نثري وعملان سرديان وكتاب متعلق بالأبحاث الديمقراطية وقد صدرت بطبعات مشرقية ومغربية -عمل على اعداد وتوثيق ما عرف بقضية الإيدز في ليبيا واصدر مايقارب 200 تقرير حول القضية التي تعتبر أبرز نشاط انساني دولي عمل عليه الى لحظة التسوية السياسية التي حسمت القضية. -متحصل على عضوية فاعلة في منظمات دولية ـ يقدم استشارات لعدد من المنظمات والهيئات الثقافية و يساعد في تحرير مواقعها -لقراءة كتب أحمد سليمان http://en.calameo.com/accounts/377803 http://issuu.com/jadl-now www.scribd.com/ahmadsleiman

شاهد أيضاً

الشاعر السوري فرج بيرقدار: “أمثولات الرعب تعشعش في ذاكرة الناس”

يتطلع الشاعر السوري فرج بيرقدار إلى الثورات العربية التي وصلت سوريا الآن، بفيض غامر من …

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

error: Content is protected !!