أخبار عاجلة
الرئيسية / المبتدأ / أخبار ومواقف / ريم فاضل تكتب عن ” مدن اليمام ” من الثورة إلى الحرب

ريم فاضل تكتب عن ” مدن اليمام ” من الثورة إلى الحرب

ريم فاضل تكتب عن " مدن اليمام " من الثورة إلى الحربيجذب انتباهك ما كتب على الغلاف الأخير من تقديم لها بقلم وزير الثقافة المصري السابق د. جابر عصفور بوصفها رواية عن قمع سياسي بامتياز, تتحدث عن وحشية النظام الأسدي في عهد الأب ومن ثم في عهد الابن, فالقتل موجود والوحشية تتصاعد، والتعذيب الجهنمي للمظلومين في المعتقلات لا يختلف عن صور الوحشية الدامية الواقعة على أحرار شعب يحلمون بوطن لا طائفية فيه ولا شبيحة. وقد يكون ذلك كافياً لمنح الإيحاء للقارئ بأنه سيدخل عوالم روائية تنهض على أسس واقعية تتناول أحداث الثمانينات في سوريا ومن ثم ثورة الكرامة في الربيع السوري, ولاسيما الإهداء الذي أثبتته الروائية لابنها المعتقل السابق “نور حلاق” وصديقه “نورس” في صيغة تمنح واقعية أحداث الرواية ومصداقيتها للقارئ الذي سيدخل من عالم السيرة الذاتية إذ تقول “هما اللذان رأيا كل شيء.. منهم هذه الرواية”

تبدأ فصول الرواية بصوت الروائية التي تعد الشخصية الأساسية أو العين التي تطل بنا على الأحداث الروائية عبر ما يشبه السيرة الذاتية التي بدأتها زمنياً مع انتفاضة درعا عام 2011, إذ تتحدث عن كابوس يعدّ نبوءة لما سيحدث مع ابنها نور الذي يعمل في الإغاثة الطبية, لتكون محاولاتها في البحث عنه والاطمئنان عليه, محور الرواية على مدار الأحداث, إذ تنتقل إلى دمشق لتراه حيث يقطن في مخيم اليرموك وتتعرف على جاره الفلسطيني المفجوع بزوجته والذي يثق بها ويمنحها أوراقه التي تتضمن لوحة عن حنظلة لناجي العلي, قبل أن توافيه المنية لأن المستشفى الإيراني لم يقبل أن يعالجه بدون دفع مبلغ كبير. من هنا تخلق الروائية شخصية حنظلة ليساعدها على تغطية الأحداث كافة في أغلب المدن السورية, وليتحول عبر التماهي التخييلي من صورة تدرجها على صفحتها في “الفيسبوك” إلى صديق مجهول لا تعرف هويته يرسل لها العديد من الرسائل المطولة عن رحلاته ذات الطابع الثوري والتي تغطي المظاهرات وتشييع الشهداء من درعا إلى حمص ومن ثم إلى حماه ودمشق مروراً بالمعتقلات وانتهاء بالمخيم الزعتري.. لتغدو تقنية خلق شخصية حنظلة الفنية إبداعاً أضافته الروائية ليأتي محملاً برموز متفاوتة كالمعنى الذي أراده ناجي العلي لحنظلة بأن يكون شاهداً على ما يجري لا يكبر ولا يموت, تماماً كما جاء في نهاية الرواية بأن حنظلة مازال يرى ويكتب كل شيء, في حين يتماهى حنظلة مع ما سُمي في بداية الثورة السورية بـ “شاهد عيان” على الصفحات الزرقاء والذي امتاز بنقل أخبار الثورة وتطوراتها وتغطية الأحداث في المدن السورية بدون الإشارة إلى هويته أو اسمه. فضلاً عن أن الروائية استطاعت عبر قصص حنظلة أن تخلق المزيد من الشخصيات فتقدم حكاياتهم على لسانه.

غير أن هذه الشخصية على الرغم من روعتها الفنية, تقع في أخطاء عدة لا يمكن تجاهلها, فكثيراً ما يتوه السرد فلا يدرك القارئ من المتكلم, ففي الرسالة الأولى التي وصلت إلى البطلة جاءت تحت عنوان “عن رحلته في قلب العاصي”, لكننا نجده يروي حكاية مجند نعرف أن اسمه خضر من حديثه مع صديقه الملقب “أبو الزلف” وقد يتوهم القارئ أنها حكاية حنظلة مستخدماً ضمير الغائب ولاسيما أن الرسالة عن رحلته, لكننا ندرك في الرسائل القادمة أنه ليست حكايته. وفي أكثر المواضع التي يتوه فيها القارئ حين يتخذ حنظلة موقع المشاهد للحدث إلا أنه يمتلك خاصية أسماها توماشفسكي “الكشف
عن الأفكار السرية للشخصيات” وهذه الخاصية تعود إلى ما يسمى الراوي العليم أي الشخصية الخارجية الموازية للروائي في معرفتها, لكن حنظلة شخصية مشاركة ولاسيما حين يقف ويشاهد من بعيد ما يجري أمامه فعلى سبيل المثال كيف له أن يكشف ماضي النقيب خضر ونزواته الجنسية السابقة وحاضره وما يدور في خلده وهو يمارس الاغتصاب والتنكيل في حين يقف حنظلة يشاهد من بعيد؟ وكذلك حين يختبئ في المصنع مع المرأة ذات الأطوار الغريبة يراقب كيف تساق الفتيات للرائد ويقرأ أفكار الجميع ورغباتهم بل وتاريخهم الشخصي مما يجعل القارئ في حيرة وضياع.

إن أكثر ما يثير الانتباه في هذه الرواية هو المساحة الكبيرة التي أفردتها الروائية لتجسيد الوحشية والقسوة والرعب الدموي إذ لا يخلو النصف الأول من الرواية من عمليات القتل السادية التي تصل إلى حد مضاجعة القتلى وسلخ النهود الذي يذكرنا بمشهد سلخ نهدي زوجة المعتقل في مسرحية سعد الله ونوس “الاغتصاب”, أما النساء فإما يمامات يؤمنَّ بالثورة وإما عاهرات لهنَّ مصلحة مع النظام كشخصية ست الحسن وأمها التي بلغت مرحلة سفاح المحارم فجاءت ابنتها لتكمل تشوهها الأخلاقي والسادي المقزز ليشعر القارئ وكأنه يقرأ رواية لكافكا غير أن الرعب هنا متواصل لا انقطاع فيه, فالروائية أصرت على تكرار هذه المشاهد ربما رغبة منها بنقل الظلم الذي مورس على السوريين متناسية أن العالم الروائي ضيق وتكثيف الدموية سينفر القارئ فالرواية تحتاج إلى رحابة الواقع السوري الذي كان حافلاً بكل صور الحياة بفرحها وحزنها في الثورة وليست الدموية وحسب.

إن الانحياز إلى سرد هذا الزخم الدموي أجبر الروائية على أن تتخلى عن حيادها لتعلو سلطتها على الشخصيات في تكوينهم, بمعنى آخر إن الرواية عبرت عن حرب أهلية بين العلوي والسني, حرب أبعد ما تكون عن ثورة بدءاً من أحداث الأخوان التي جعلت الروائية من ثورة الكرامة في الربيع السوري امتداداً لها متناسية أن ما حدث في الثمانينات هو أولاً حركة ذات طابع إخواني تنهض على الاغتيالات والمطامع السياسية الدينية ولم ينخرط بها سوى ثلة من الشعب, ولعل ذلك مرده إلى انتماء عائلتها للإخوان واعتقال أخيها لسنوات طوال. وهذا لا يعني أن ننفي استبداد النظام في تلك الفترة واعتقالاته التعسفية للكثيرين غير أننا لا يمكن أن نربط بين أحداث الثمانينات وبين ثورة الكرامة اليوم, ومروراً بتسمية الشخصيتين الدمويتين باسم “خضر” الأول الذي قتل طفلاً لأجل شهوة أن يضاجعه ميتاً في حين الثاني قتل امرأة ليستلذ بمضاجعتها وهي ميتة. وانتهاء بهاجس الروائية الملح على ذكر هوية المجندين المناطقية, ولاسيما من وجدتهم يحملون طابعاً إنسانياً فهم من إدلب أو حماة دائماً, مما لا يسمح للقارئ بالتعاطف الإنساني وسبر أغوار الطرف الآخر المعادي لنا بعيداً عن تأزم الهوية الدينية والمناطقية. كما نلحظ أنه لا وجود في الرواية للذين نسميهم الحيادين أو الرماديين بالرغم من أن المرحلة الزمنية التي غطتها الرواية .

كانت هذه الشريحة واسعة في سوريا إما أن تكون مع الثورة فأنت اليمام وإما أن تكون مع النظام فأنت العاهر الدموي السادي. ربما لذلك نجد شخصية حنظلة تتوه في سرد هذه التفاصيل التي تقحمها الروائية عبره ليسقط استقلاله الفني عنها وليحمل رؤيتها الأيديولوجية مما ورطها في خطأ تقني تجسد في صنع شخصية المجند خضر الذي تصوره بشكل مضطرب ومتعارض مع المنطق إذ كيف يشتري الدخان من عجوز فيحزن لدمعه ويحاول أن يشرح له بأنه هنا للشراء لا السلب ومن ثم بعد ساعات يقتل طفلاً من أجل شهوته ورغبته باغتصابه ميتاً بهدوء؟. إلا أن الروائية تخلت في لحظة توثيقة عن أدلجتها المتطرفة التي تفرضها على الشخصيات في حوار دار بينها وبين ابنها نور على منشورها في صفحتها الفيسبوكية إذا كتبت “لا تحاور الدم بالدم” فكان رد نور واعياً بعيداً عن الانفعال الدموي إذ يقول: “لا شك أنك تغضين البصر عن بعض اللافتات التي يحملها المتظاهرون ولا تريدين أن تصدقي أن هناك من يدعو فعلاً لتحويل خطّ الثورة. بل لا تريدين تصديق أن هناك بعض العصابات, وبعض الإسلاميين الذين يشوّهون وجه الثورة. يا أمي من سمع ليس كمن رأى”. لعل هذا القول يجعلنا نلوم كل من لم يسمع ما حملته رؤيا نور ليومنا هذا، الذي باتت فيه ثورتنا حرباً أهلية وأزمة سورية يلهو بأحلامها المتطرفون من داعش وأشباهها.

ربما من أجمل ما جاء في هذه الرواية هي الصفحات التي نقلتها عن ذاكرة المعتقل نورس هو المخرج السينمائي الذي تم اعتقاله على خلفية تصويره لفيلم يتحدث عن الديكتاتور, إذ تخلت الروائية عن طغيانها السردي وأفسحت له المجال للتعبير عن معاناته فجاء سرده مفعماً بالحياة والأمل كأن يحكي عن مشهد انعكاس الضوء على جسد صديقه المعتقل المبرقع بآثار التعذيب ليمنحه خياله مشهد قوس قزح ينقل القارئ إلى التعاطف الكلي الممزوج بأمل الروح التي تقاوم التشويه النفسي من وراء القضبان على خلاف ما جاء من مشاهد كثيرة في الرواية حول سلخ النهود واغتصاب الأموات والتمثيل بالجثث التي تنفر القارئ فلا تحظى بأكثر من شعور الشفقة المقززة والابتعاد عن المتابعة المطلوبة في رواية تنهض على الرغبة بلفت أنظار العالم إلى ثورة السوريين وآمالهم.

ولا ندرك إن كان إدراج الروائية في نهاية الرواية لشخصيات تحمل هوية دينية , مغايرة, للسني المضطهد هو نوع من التخفيف الانفعالي الذي أفردته في صفحات كثيرة, كأن تحكي عن أصدقاء ابنها نور بعد اعتقاله الذين يعملون في الإغاثة مع ذكر هويتهم الدينية كالمسيحية والعلوية والدرزية, وكيف تنقلت معهم في المناطق السورية وخاضت معهم الكثير من المعاناة ومشاعر الخوف والرعب والنشوة الثورية, وكذلك الإشارة السريعة لشخصية غسان سلطانة المسيحي الذي كان ناشطاً في الثورة والمظاهرات والإغاثة قبل أن توافيه المنية بمرض السرطان كما أن الروائية رغبت أن تجمع معظم الأحداث بين صفحات روايتها لذا نراها تفرد صفحات عن رحلة حنظلة إلى المخيم الزعتري في الأردن حيث جعلت من طفل صغير خطيباً يضاهي الحكماء في بلاغته الوصفية للمعاناة السورية فجاء ذلك من باب المبالغة الروائية.
وأخيراً هل يمكننا أن نربط الخيط الأول في الرواية حول رفض المستشفى الإيراني قبل الأحداث معالجة جار نور الفلسطيني بالخيط الأخير الذي ورد على لسان أحد اللاجئين في مخيم الزعتري حين قال إن هذا النظام علوي لندرك ما أرادته الروائية عبر سيرتها الذاتية؟

غير أن كل ما ذكرناه لا ينفي أن ابتسام تريسي قد خاضت من الآلام السورية ما لا يحمله إنسان, ومن الطبيعي أن تأتي سيرتها الذاتية التي حاولت أن تكون ذات طابع روائي في زمن الثورة السورية, محملة بانحيازات عاطفية قد لا يفهمها القارئ الحيادي وقد يراها من ناحية طائفية لكنها تبقى شاهدة على معاناة أم وأخت وابنة عانت الأمرين من نظام استبدادي لم يرحم صغيراً ولا كبيراً وعزز الكثير من الطائفية بين الشعب وأشعل فتيل الحساسيات الدنية عبر عنف لم يولد إلا العنف المضاد راغباً في ذلك بوأد أحلام السوريين بدولة ديمقراطية تمتاز بالتعددية السياسية والكرامة والعدل والحرية.

ريم فاضل : ناقدة سورية

عن جـدل الآن

جــــدل : هو الموقع الرسمي لمركز الآن اعلن عن تأسيس المركز في بيروت عام 1996 ـ صدر عنه مايقارب ثلاثون كتابا في الآداب والسياسة والفن ـ انتقل نشاطه الى أوروبا بداية العام 2004 - يساهم بتحرير واعداد كتب و مؤلفات بتكليف من مؤسسات اجتماعية واحزاب يسارية و منظمات حقوقية .

شاهد أيضاً

ooo

أحمد سليمان : دعوة للمكاشفة والبحث عن مخرج في رابطة الكتاب

آثرت ألا أنجر إلى سجال مباشر بيني وبين زملاء أقدرهم . خصوصا في هذه الأيام …

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

error: Content is protected !!