أخبار عاجلة
الرئيسية / المبتدأ / آراء / طل الملوحي.. قضية حقوقية أم تنافس منظمات؟

طل الملوحي.. قضية حقوقية أم تنافس منظمات؟

منذ اعتقالها في كانون أول/ديسمبر 2009 تحولت قضية الشابة السورية طل الملوحي إلى قضية حقوقية بامتياز، بات الكل يغرف بمغرافه لينشر بياناً إلكترونياً أو ينشئ صفحة فيسبوكية للتضامن معها. جهود مشكورة فهذه حيلتنا وما باليد سواها حيلة. لكن! أن تتحول القضية الحقوقية وهي اعتقال إنسان بعض النظر عن دينه ولونه وعرقه وجنسه خارج إطار القانون، إلى قضية منافسة “غير شريفة” بين المنظمات السورية المسماة بالحقوقية، من جهة وبين أشخاص “معارضين” تبنوا قضيتها. أمر يتوجب الوقوف عنده، وعلى القائمين على هذه الحرب وقف أوزارها، إنهم يدخلون طل وأمثالها في خضم معركة هن أو هم بغنى عنها.

 

لا أحد من القائمين على الحملات التي تدعو إلى إطلاق سراح طل الملوحي يعرفها، أو يعرف ذويها، والكل يقتبس “فعل أكثر لباقة من يسرق” المعلومات من الأخر، إلا ما ندر من بعض المصادر التي تقتفي أثر الملوحي بين هنا وهناك، وتقوم بنشر تلك المعلومات كجرعات كيماوية لمريض يصارع سرطان الرأي، فلا أحد من اللجان التي تم إنشاؤها أو من الشخصيات “المعارضة” يعرفون طل الملوحي وعن أسباب اعتقالها، فقد تكون فتاة عادية جداً اعتقلت لأسباب واهية ولا دخل للرأي فيه والتعبير عنه، أو قد تكون هذه الحملات هي من جعلت القضية تتضخم أكثر فأكثر. أو ربما بسبب التعبير عن رأيها، فلا أحد يعرف ماهية الكتابة أو المقالة أو القصيدة التي أدت إلى اعتقالها، فبحسب مدونتها ليست هناك أية إشارة لأي كلام عن حرية الرأي والتعبير وما إلى ذلك، ويستمر الكثيرون بإصرار على أن يتبنوا قضية طل الملوحي كقضية لصالحهم.

 

بغض النظر عن كل تلك التكهنات، فإن طل الملوحي فتاة سورية  شابة كانت تحضر لامتحانات الثانوية العامة، اعتقلت بطريقة أمنية صرفة دون أية مذكرة قضائية، وهي تعتبر في عرف القانون السوري والدولي انتهاكاً صارخاً لأبسط حقوق الحياة، ويمكن أن تكون ببساطة قضية تعرض في الأمم المتحدة لدى المقرر الخاص للاختفاء القسري والاعتقال خارج القانون. لكن ليضع كل واحد منا نفسه مكان والدها أو والدتها، أخيها أو أختها، فلينظر أحدنا إلى القضية ببعدها الإنساني والاجتماعي، قبل أن يتم استغلال قضيتها لأغراض إعلامية أو سياسية.

 

أنباء نشرت عن أنها متهمة بالتجسس، والذي نشر الخبر يريد أن يوصل رسالة إلى أن المعارضة السورية التي تنشط في الخارج في حملة الملوحي، تدافع عن “عميلة ومتهمة بالتجسس” لكن لصالح من التجسس، إسرائيل مثلاً؟ مصر، العراق، القاعدة، الإخوان المسلمين، ابن لادن… من؟ لماذا لا يعلن صاحب الخبر عن كامل القصة؟

 

أنباء نشرت عن وفاتها تحت التعذيب، ولم يعر صاحب الخبر وناشره أي اهتمام واحترام لمشاعر العائلة التي تنتظر على أحر من الجمر خبراً عن ابنتهم، فيأتي شخص ما قد يكون وهماً في خضم هذه الثورة الإنترنيتية ويعلن للناس أن طل قد قتلت تحت التعذيب، لينشر بعد ذلك خبر بأنها ما تزال قيد الحياة، فنصدق من؟ ألا يدرك ناشر خبر كهذا مدى الألم الذي يسببه لوالدة طل وعائلتها؟ ما بال الناس تتحكم بمشاعر وأحاسيس أمٍ فقدت ابنتها منذ عدة شهور دون أن تعرف أية معلومة عن حياتها أو موتها؟

 

لقد تحول الصراع بين منظمات المجتمع المدني والحقوقية منها بالأخص “إن جاز التعبير” والشخصيات المعارضة، من الحرب مع النظام ضد تجاوزاته فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان والمجتمع المدني وحرية التعبير، إلى صراع بين تلك المنظمات نفسها، وبين أشخاص، وبدأت تدك في بعضها بعضاً، متهمة بعضها بعضاً بتهم العمالة والتجسس وغيرها من تهم تعود المجتمع السوري عليها، وباتت تشكل حالة جديدة من الصراع الحقوقي “غير الشريف”، وهذا ما يريده أعداء حقوق الإنسان، الذين يسعون بكل طاقاتهم إلى استنزاف كل تلك الجهود وتحوير الصراع إلى صراع داخلي بين الناشطين الحقوقيين، ومنظمات حقوق الإنسان السورية.

 

إن حالة التنافس بين تلك المنظمات يجب أن لا تدخل في خانة التلاعب بمصائر الناس وحيواتهم، والباب مفتوح على مصراعيه لأي ناشط أو منظمة للعمل الحقوقي والسياسي، بغض النظر عن الصعوبات التي تواجهنا في هذه النشاطات، فمن يذهب لصيد السمك لا يرجع إلا مبللاً، لكن يجب الكف عن التلاعب بمشاعر وأحاسيس ومصائر العائلات التي تدفع ثمناً باهظاً بسبب اعتقال ابن أو ابنة، والد أو والدة، في حين يستمر القائمون على هذه المنظمات وهذه الحملات بعرض العضلات على حساب آلام الناس.

 

إن قضية طل الملوحي قضية إنسانية وحقوقية بامتياز، بغض النظر إن كانت ناشطة أو كاتبة أو مثقفة أو غير ذلك، يجب على الجميع التحرك من أجلها، ومن أجل أن تتوحد الجهود في كل مكان لوقف مسلسل الاعتقالات التعسفية في سورية، وعلى كل الناشطين التضامن والعمل من أجل أن يحكم سورية قانون ودستور يحترم كل الناس ويطبق على الجميع وأن يكون للجميع.

عن جـدل الآن

جــــدل : هو الموقع الرسمي لمركز الآن اعلن عن تأسيس المركز في بيروت عام 1996 ـ صدر عنه مايقارب ثلاثون كتابا في الآداب والسياسة والفن ـ انتقل نشاطه الى أوروبا بداية العام 2004 - يساهم بتحرير واعداد كتب و مؤلفات بتكليف من مؤسسات اجتماعية واحزاب يسارية و منظمات حقوقية .

شاهد أيضاً

أحمدسليمان : الحركة الإحتجاجية في سوريا وآفاق العصيان المدني

ذات الأكاذيب يروج لها النظام السوري محاولاً تبرير بطشه للمتظاهرين الذين يطالبون بالحرية المُطلقة ، …

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

error: Content is protected !!