أخبار عاجلة
الرئيسية / المبتدأ / الألف الثالثة / سامي نيال : غومل 95 لأحمد سليمان ، نصوص فالتة وحديث عن ثورات في مطلع الألف الثالثة

سامي نيال : غومل 95 لأحمد سليمان ، نصوص فالتة وحديث عن ثورات في مطلع الألف الثالثة

  • غومل 95 نصّ يشبه ذاته بل أنّه يتجاوز ذاته ،بلغة رشيقة,وبنصوص تشي بمعان لا يجيد صياغتها سوى حرفي متميز
  • يصوغ سليمان مفرداته,وكأنها تتدفّق من شفاه من ماتوا,واعتقلوا قبلاً فهو الشاهد الحي الذي كُتبت له النجاة ليروي قصصهم

قبل البدء بقراءة دقيقة لـ غومل 95 لابدّ من الإشارة هنا إلى هذه المقدمة التي توضح الكثير من النقاط حول إعادة نشر الكتاب بحلّة جديدة، ومبتكرة.ينجح النص بسرد حكاية هارب من عادية الأشياء، في السياسة كأحد مداخلها، أيضا في الثقافة كحاضنة للسياسة التي تحوّلت فعل الكاتب إلى رسم ملامح لعلاقة جدلية، نجد هذه العلاقة بشكل كبير في الأحداث التي نعيشها بعد عشرين عامًا من تاريخ كتابة  النص الفعلي،أي في عام 1995 والمترجم حديثًا إلى الإنجليزية باسم غومل 95 لأحمد سليمان، الصادر حديثًا عن مركز الآن في ألمانيا، مطلع 2018 هو نفسه الذي يحمل اسم  ” زهور النار” - الذي صدر في مطلع العام (2003).

يفلت النّص أيضًا من الوقوع في رتابة الطرح للأفكار التي كانت تتداول نهاية ثمانينيات القرن العشرين. يحاكي تفاصيل عاشها الكاتب، وخرج منها إلى مساحات جديدة، وتطلعات لمستقبل إبيض، لكنه أيضًا في هذه المرة يشير إلى تراجع الأيديولوجيا ووقوع اليسار المتمثّل بمركزه في روسيا. ملمحًا إلى نقاء الفكر كوثيقة عالية يمكن العودة إليها وعدم الاستقرار بها، ذات الإحالة وردت في كتابه “جدل الآن” حيث يطرح قضية الحرية واشكالية تراجع الإيديولوجيا والاشتباك الخلافي بين المثقف والسُلطة.
غومل 95 نصوص نثرية تعبق بشرارة بوحها الأخاذ، وكأنّ براويها يعرّي الأزمنة بكل تفاصيلها محاولًا الإفلات منها مرّاتٍ عدّة، ومن ثمّ يعاود التقاطها ليعيد تشذيبها في أتون حروفها. جحيمٌ بمعنى الكلمة حين يحاول الشاعر سليمان استعادة هذا الماضي الفوضوي بكل تفاصيله في محاولة يائسة منه لتشذيبه مجددًا لعل بؤرة الكاميرا هذه المرة تعيد للمفقود غيابه، وللميت روحه، وللغريب المهاجر أرصفته الأولى حيث خلّف وراءه كمّاَ هائلًا من فضلات عالم سوريالي لا يتوالف بأيّ شكلٍ من الأشكال مع واقع أكثر سسورياليةً وسخرية، ولذا تبدو (إلينا) المفتاح الرمز الذي يفتح الأبواب جميعها بلا استئذان، أو حيرة حتى، وهو القائل: ها نحن كأي شيء يتحوّل إلى طيف يمر في سماء العالم، نتذكر أو نحدو في الذكرى بقسوة وايمان مضطرب. وثمّة حديث لا يكتمل.
استعادة الأحداث كما لو انها حاضرة الآن، مع الإشارة إلى زمن معطل، وكأن بالكاتب يعيد فلفشة هذا الزمن الماضي في محاولة لقراءته بعين مختلفة، واعادة صياغته أحيانًا. الأحداث تتوالى والراوي يهرول معها محاولاَ التقاط صورًا علقت في ذيل طائرة ورق، والورق ذاته أحيانًا يبوح، اولا يبوح. فاللغة مفتاح البوح القسري، ومعها يصل الشاعر إلى مراتب صافيةً تمامًا، وكأن به أشبه بصائغ ماهر يعيد إضافات لأشكال وأشخاص أزليين كانوا هناك يومًا. اللغة عند سليمان لغة شاعر منفي، وحاضر في آن. تشبه كتاباته الحرفي الذي يصبُ قالبين في قالب واحد، ويمكن أن يسمى حقيقة واقعية السرد بعيدًا عن زخرفات ما لم يحدث قبلًا.
النصوص المتشظّية عند سليمان نصوص جاهزة صوب الأفق، ولا يسع القارىء سوى التحليق معها صوب فضاءاتٍ أكثر نورا أو سكينةً. لغة رشيقة تبوح بمفرداتها مع شاعر لأشياء تحدث كلّّ ثانية. المدن، والمرأة، والأمكنة، والخيانات هي جميعها صيغ تتشكّل مع شاعرها ليفلتَها في فضاءات جديدة مبتكرة. فالكل فقرة في النص مفاتيحه حتى تخال الكاتب يتقن تمامًا فتنة السحر، وحسبي هنا كلّ ما اكتمل المعنى عنده تتقمّص العبارة عصفورا، وبل عصافير تطير بعيدًا صوب حريتها بعيدًا عن وطن مجروح.
فذاكرة الأمس تتداخل مع الساعة المعطلة فالشاعر يرمز بسوريالية إلى بلادة الوقت، وانكساره، وكأن بالوقت سرق الأصحاب، أوبعضًا ما تبقّى منهم في ثوانٍ منسية مُهترئة. الوقت ذاته له دلالاتٌ عّدة عند الشاعر فحينًا يوظّفه في سياقه الدرامي الواقعي، والبعيد كلّ البعد الخيال فهو يشبه فلاش الكاميرا التي تلتقط ما لا يلتقط سوى بالصدفة، وبالعودة إلى حديث الصدف لا أظن أن سليمان يتعامل معه كشريك عضوي في النّص بل هو مؤرخٌ بامتياز لما يجري في وطنه سوريا، ولذا نرى عنده هذا الكمّ الهال من العبارات المُصاغة باحتراف، وبمعنى متواز تمامًا مع احتمالات بلوغها أفق التحليق. أن تكون متلقيا بامتياز لغومل 95 يجب أن تعدّ نفسك مُسبقًا لنص فاضح، وجريء، وسردي بتقنية عالية.
فالكاتب هو من يرى، وهو من يعرّي المشاهد، وهو نفسه من يدفعك حتمًا للوقوع في غياهب نص سوريالي تام، هذا الوقوع عينه مفتاح النّص. ببساطة تشعر وأنت تقرأ غومل 95، وكأنك انت المضطرب، والمعتقل، والرواي، والضحية غالبًا.
يصوغ سليمان مفرداته، وكأنها تتدفّق من شفاه من ماتوا، واعتقلوا قبلًا فهو الشاهد الحي الذي كُتبت له النجاة ليروي قصصهم، وينثر ورودًا، ورحبقًا معتقًا كتأكيد لشواهد تسكن ذاكرته الشعرية…
التواريخ بتفاصيلها تحضر عند سليمان، وحتى أنه يمسكها من ذيلها أحيانًا ليعيدَ برمجتها وصياغتها مجددا لربّما لا تقع في مشاكل كما وقعت قبلًا. هذه الصراحة المطلقة لإفلات التاريخ بلا معاقبة مرفوضة تماما عند الشاعر، وكأنه يفضحه دومًا بحالات التباس قصوى، ولا مجال معه لتورية ما يحدث من حوله. وهو القائل: تاريخ آخر لا يختلف عن حوله، ولا يختلف عن غيره حتى بفارق بسيط حيث نجده أكثر عصرنة.
وكما للسجن ومساحاته الضيقة بوح آخر عند سليمان فهو المسجون قبلًا، والمسكون برفاقه السجناء دومًا، ووحده يبوح عنهم، ووحده يعيد صياغة حرفة الغرف العفنة الضيقة بالطبع مع تداخل تمام للمخبر والطائرات التي تقصف، ولوسائل التعذيب المبتكرة التي يفضحها الشاعر، وحسبي هنا أنه الشاهد الحي والراوي عن أموات بامتياز فطري حدث أن عاش مرّاتٍ أخرى ليرويَ قصصه، وقصص من ماتوا قبلًا.
أليسَ قدر الشاعر أن يحيا مجددًا كطائر الفينيق ليكتبَ ولو عن غيبوبة موقوتة. جوهر النص عند الشاعر سليمان يدفعك للإبحار معه، عبر أموات وأحياء.
غومل 95 نصّ يشبه ذاته بل أنّه يتجاوز ذاته بمميزات متعددة، وفريدة بلغة رشيقة، وبنصوص تشي بمعان لا يجيد صياغتها سوى حرفي متميز، ويليق بالشاعر سليمان هذا البوح الجميل.
وفي الخاتمة لابدّ من الإشارة أن الكتاب كتب قبل عشرين عامًا، ها نحن نقرأه اليوم وشاءت الصدف أن تخرج ثورات في بلدان عربية متعددة، وكأن بالتاريخ يكرر نفسه.

  • سامي نيال: شاعر وموسيقي لبناني

Gomel 95 my letters to this world Cover

عن جـدل الآن

جــــدل : هو الموقع الرسمي لمركز الآن اعلن عن تأسيس المركز في بيروت عام 1996 ـ صدر عنه مايقارب ثلاثون كتابا في الآداب والسياسة والفن ـ انتقل نشاطه الى أوروبا بداية العام 2004 - يساهم بتحرير واعداد كتب و مؤلفات بتكليف من مؤسسات اجتماعية واحزاب يسارية و منظمات حقوقية .

شاهد أيضاً

أسعد أبو خليل يكتب عن حزب البعث وعمليّة الإحتضار الطويل

غاب حزب البعث عن الإنتفاضة في سوريا, أو أنه غُيِّب لإمتصاص الغضب العارم. تشعر ان …

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

error: Content is protected !!