أخبار عاجلة
الرئيسية / المبتدأ / آراء / غسان المفلح : السجن السياسي سلعة أم قداسة ؟

غسان المفلح : السجن السياسي سلعة أم قداسة ؟


الناس تنتقد موقفا سياسيا وتهاجمه بينما هناك من يحاول استمالتك لأن لك موقفا معارضا
عزيزي المعتقل السياسي سنوات اعتقالك “على الراس والعين”,

ولكن يجب أن تدرك أن “سنوات الجمر” تلك لم تعد ملكك. هي رأسمال رمزي وثروة وطنية لكل الشعب السوري, وليست بضاعة تباع وتشرى, وليست مادة خصبة لاستدرار عطف الآخرين وليست منة منك على أحد,ولست بسببها الفهيم العليم القادر على كل شيء, فكفى عبثا بتلك الثروة.” انتهى سؤال التحقيق الصحافي الذي يجريه الصديق أحمد مولود الطيار, مع عدد من معتقلي الرأي في سورية.
لغة السؤال موقف لن نتوقف عندها, وسنعتبر السؤال منزها عن أي اعتبار يومي في حياة الناس الذين يطرحون مثل هذه القضية والسائل أيضا.
بداية أستطيع الجزم بأن السؤال لا يخص أكثر من 99 في المئة من معتقلي الرأي في سورية, بل يخص بالضبط من لايزال لهم نشاطا سياسيا أو ثقافيا أو أدبيا أو صحافيا حتى, أي من لاتزال أسماؤهم متداولة نسبيا, في حقل من تلك الحقول, وهؤلاء أقل حتى من 1 في المئة أما البقية وإن كان بعضهم لايزال يمارس العمل السياسي, لكن أسماءهم ليست متداولة في هذه الحقول. على هذا الأساس يمكن أن يكون السؤال ليس بريئا تماما من دوافع تاريخية يومية للسائل سواء كانت سياسية أم فكرية أم قيمية.
لو نظرنا لأحوال ال¯99 في المئة في المئة لوجدنا, أن السجن السياسي في سورية ليس رأسمالا يستثمر, فما زالت الحياة كسجناء سياسيين تطحنهم بمتطلباتها اليومية, وتطحن أسرهم أيضا, كما طحنت هذه الأسر أيام اعتقال أبنائهم. لهذا في سورية أبدا الاعتقال السياسي ليس سلعة تباع وتشرى لأن أحدا في سورية الراهنة لا يشتريها, لأنه لا يحتاجها. وهي بالمقابل ليست رأسمالا رمزيا مقدسا, بل هي رأسمال على أن هؤلاء الناس ضحايا يستحقون العطف عند أقلية من الشعب السوري, وإما أغبياء ضيعوا حياتهم من أجل قضايا خاسرة سلفا, أو وهذا هو الأهم, عبارة عن مصدر خوف للناس من المخابرات فلا أحد يقترب منهم لأنهم يمكن أن يتسببوا باعتقاله.
لو كان السجن السياسي رأسمالا في سورية لوجدت للمعارضة الآن عمقا شعبيا متحركا بالمعنى النسبي للعبارة, حتى هذا العمق الكامن كما يراه بعضنا, لا يستطيع شراء هذه السلعة لأنه كامن, والكامن خائف والخائف لا يستثمر.
نأتي الآن إلى السجناء السياسيين الذين لاتزال أسماؤهم متداولة, سياسيا من حقهم أن يكون لهم موقف يختلف معه الآخرون, ومنهم السائل نفسه, لكن لا يعني هذا أن من نختلف معه يجب أن نسمه بما هو شخصي. أما الكتاب والشعراء والروائيون والصحافيون من المعتقلين السابقين, الكتابة بالنسبة لبعضهم مصدر رزق, ولا أظن ينطبق عليهم هذا الأمر, لأنهم لا يملكون حرفة غيرها, أم يريدهم الصديق أحمد أن يموتوا جوعا, وهذه الحرفة لأرباب عملها شروط, نحاول أن نتملس منها إذا كانت لا تتناسب مع قناعاتنا, ولكنها تناقش وفق كل حالة على حدة, لا يجوز فيها التعميم.
سأضرب مثالا هناك كتاب يكتبون أحيانا بصحيفة مدعومة من “حزب الله” مثلا, وهناك من يكتب بصحيفة مدعومة من تيار المستقبل اللبناني, وهناك من يكتب في المنبرين معا, في كل هذا كيف يمكن لهذا الكاتب أن يكون قد باع رأسماله?
بالنسبة لي رغم كل شيء ورغم بعض لحظات الضعف, الاعتقال لم يكن رأسمالا بأي شكل من الأشكال, لسبب بسيط أعرفه ومقتنع به, أنني مازلت أمارس نشاطا سياسيا يوميا, وهذا سيخلق خصوما يحاولون الاستفادة من كل ما من شأنه إضعاف الموقف السياسي للخصم, حتى لو بعدم نزاهة.
لكوني أكتب في المجال السياسي والفكري السياسي أحيانا قليلة ووفقا لإمكانياتي المتواضعة, سأكون غبيا لو اعتبرت أن على الآخرين التعامل مع موقفي السياسي بدافع أنني كنت معتقلا سياسيا, وغالبا أتحدث عن الاعتقال لإدانته وإدانة مرحلته السياسية وليس لأنه رأسمال, وهنا يجب التفريق في هذه القضية, أم أن هذه ممنوع علينا التحدث فيها لأن بعضنا يمكن أن يعتبرها متاجرة? وتجربتي الشخصية تتحدث عن نفسها بأنني كما لا أنافق أحدا في مواقفه السياسية لهذا كنت ومازلت اتعرض للنقد السياسي الأخلاقي ولأبشع أنواع الهجوم غير الأخلاقي. فأي رأسمال هذا الذي لم يحمني أبدا ولا لحظة واحدة, وليس له سوق في العمل السياسي?
أن تقول إنني ككاتب ربما أبيع ما أكتبه بشكل ما لكي أعيش أو لكي أوضح موقفا سياسيا أمر مختلف عن أن تقول أنني معتقل, هنا قضية الاعتقال لا قيمة لها, الناس تنقد موقفا سياسيا وتهاجم موقفا سياسيا. وهناك من المعارضة من يحاول استمالتك ليس لأنك معتقل سياسي, بل لأن لك موقفا معارضا.
ولم أصرح في أي موقف أو كتابة أنني امتلك الحقيقة لأنني كنت معتقلا سياسيا, بل العكس هو الصحيح, فتجربتي منفتحة على كل تيارات ورؤى المعارضة السورية لأنني مؤمن أن لكل سوري الحق بالمطلب الديمقراطي من دون أي اعتبار آخر, تلك الاعتبارات لا اعتبرها من اختصاصي. خدمت إيران أو خدمت النظام أو خدمت أميركا أناقشها وفقا لقناعاتي بالعمل المعارض في سورية وفي حقل آخر لا يفرض القطيعة بيني وبين أصحابها.
أما من يكتبون الرواية أو القصة أو الشعر, يعني مادام لهم أعمال تتحدث عنهم لم يعودوا بحاجة للمتاجرة باعتقالهم, لأن كلمة متاجرة تصب يا صديقي أحمد بقضية المال! من المعتقلين السابقين أصبح غنيا لكونه كان معتقلا? فجلهم يعيشون حد الكفاف وحفظ الكرامة. ومنهم من دخله أقل من ذلك.
هناك من يحاول استخدام هذا الموضوع لأسباب رمزية محدودة وفي سياقات لا علاقة لها بالمتاجرة. كأن يكون شاعرا معتقلا أو روائيا معتقلا يكتب عن تجربة السجن ويحاول أن يسوق عمله الأدبي في هذا الزمن السوقي, ربما تبدو لبعضنا أنها متاجرة مع أنها ليست كذلك بل حق. يعني عندما يكون شاعرا لا يحق له الحديث عما تعرض له من تعذيب, او لا يحق له تسويق نتاجاته?أما المعتقل الذي يتعامل مع الآخرين بأنه يملك الحقيقة, فهذه قضية” كلنا بالهوا سوا” معتقلون وغير معتقلين, والاعتقال لا يشكل عاملا لكي يقنع الآخرين بأنه مالك الحقيقة.
أمر آخر أبعد الدوافع الشخصية عند أقلية تهاجم بعض المعتقلين شخصيا, الدوافع السياسية هي التي تقف خلف غالبية الهجوم على معارض سوري أيا كان حتى ولو كان معتقلا سابقا, وليست دوافع حرص على أن اعتقاله رأسمال رمزي ليس من حقه التصرف به, ليس من حقي أن اتصرف به كما أشاء ومن حقك ألا تتعامل مع هذا الحق, ولكن ليس من حقك ان تصادر رأيي السياسي وكل شيء بحجة أن” السجن السياسي تراثا وطنيا” وفي هذا السياق يمكن لك أن تجد أن الهجوم الذي يتعرض له هؤلاء سببه الموقف من السلطة القائمة.
لايزال السجين السياسي محمولا على الموقف السياسي الذي سجن من أجله, وهذه قضية مرتبطة بالنظام السياسي, الذي لم يتغير بعد, لكي يصبح الاعتقال السياسي تراثا رمزيا, لأن النظام السياسي المصادر للسياسة كلها والذي اعتقله لايزال كما هو, هذا يجعل الموقف من أي فعل سياسي أو أدبي أو ثقافي مرتبط بالموقف منه, لهذا من يقوم بالاستخدام المشوه للاعتقال السياسي, ينصب جل استخدامهم لتحديد موقف من النظام السياسي, أما قضية الخصومة وأحيانا المنافسة بين رموز أدبية وثقافية وكتابية, فهذه حالة عامة لا ترتبط بأن هذا معتقل وذاك غير معتقل لأنها مرتبطة بطبيعة الحياة والإنسان عموما.
ثمة نقطة أخيرة, عندما تريد أن تتعامل مع الاعتقال السياسي كرأسمال رمزي وطني, هذا ليس له علاقة بما بعده, أي أنت تتعامل مع حالة الاعتقال ذاتها والفرد المعتقل محمول عليها لأنه معتقل سياسيا, أما ما يمارسه بعد خروجه من السجن, فهذه قضية أخرى تماما, مثال: لو أن معتقلا سياسيا أصبح مع السلطة, هل تنفي عنه صفة المعتقل السياسي وتزيل اسمه من قائمة الاعتقال? والأخلاق في النهاية لها معاييرها التي تستخدم على كل من هو منخرط بالحياة, والمعتقل بعد خروجه ينخرط بالحياة.
* كاتب سوري
ghassanmussa@gmail.com

السياسة الكويتية

عن جـدل الآن

جــــدل : هو الموقع الرسمي لمركز الآن اعلن عن تأسيس المركز في بيروت عام 1996 ـ صدر عنه مايقارب ثلاثون كتابا في الآداب والسياسة والفن ـ انتقل نشاطه الى أوروبا بداية العام 2004 - يساهم بتحرير واعداد كتب و مؤلفات بتكليف من مؤسسات اجتماعية واحزاب يسارية و منظمات حقوقية .

شاهد أيضاً

أحمدسليمان : الحركة الإحتجاجية في سوريا وآفاق العصيان المدني

ذات الأكاذيب يروج لها النظام السوري محاولاً تبرير بطشه للمتظاهرين الذين يطالبون بالحرية المُطلقة ، …

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

error: Content is protected !!