أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق / ســـــجال / ديالا بشارة : الاعلام ودوره السياسي والايديولوجي

ديالا بشارة : الاعلام ودوره السياسي والايديولوجي

استطاع الاعلام الموظف من قبل دوائر القرار في الدول الغربية بعد احداث /11/ ايلول ان يعيد الاعتبار للدولة الوطنية التقليدية، المنحسرة، في حالة البحث عن البقاء، عن الذات، كما كانت في السابق، الخائفة من الزوال والتلاشي، عبرالعودة للماضي، للحنين، للدولة الامنية المتمركزة على الذات، في عالم مختلف عما كان عليه في ثلاثينيات القرن الماضي عند صعود النازية، هتلرعلى سدة النظام. في مرحلة تتسم بتغييرات كبيرة، انتقال الاسواق والمال في الفضاء العالمي، وتداخلها الموضوعي عبرالاقتصاد والمواصلات والمعلومات الغيرمحددة بحدود وسيرانها فوق افق خارجة عن الحدود الوطنية القديمة والضيقة. هذا التناقض ما بين الواقع الموضوعي، الصاعد بقوة، الباحث عن مكانه، الثورة الصامتة والمتفاعلة في الاعماق، المتحرك بقوة مثل امواج البحر في الاعماق الاعماق، لخروج جنين جديد يحمل النظام إلى مصاف آخرى، جعل القوى السياسية الرجعية في المراكز، النخب الحاكمة ونخب المال ورجال الاعمال ان يضعوا المكابح في عجلات التطورالفعلي، للدفاع عن مصالحها الضيقة للجم هذا المولود الجديد، التطور الجديد الذي دخل عنوة على النظام والعالم نتيجة تطورالانتاج ووسائل الانتاج ووسائل الاتصال.
لقد عمل الاعلام الموظف، المصنع على مقاس الرجعية السياسية في مراكز النظام على مستويين، داخلي وخارجي. المستوى الاول، موجه، تضخيم الذات عبر لا ذات، تدجين الذات والآخرعبر منافذ متعددة، اللعب على مشاعر الخوف، وجود عدو متربص عند باب الجميع، دهور الاندماج في المجتمعات المركزية واعادها إلى المربع الاول، عقلية القطيع، التخندق من اجل الحفاظ على الامن القومي الوهمي، مصالح الفئات التقليدية النافذة، دعم السياسات المتجهة نحو بعد محلي من اجل الاستثمار الخارجي في مسعى واضح لانتاج عقل راضخ في المراكز كشرط اول، مستسلم مفرغ من المحاكمة العقلية والمعرفية والاطلاع، انتاج دماغ مغسول، في تبرير واضح لهذه السياسات الموجهة. يزمعون من خلالها على إدارة وتبريرالسيطرة على العالم وخلق الحروب لرصد الموازنات على النفقات العسكرية. اما المستوى الثاني، خارجي، التشكيك في الآخر، تحقيره، النظرة الفوقية والاستعلائية لبقية الشعوب والمجتمعات الإنسانية.
فاعلية هذا الاعلام ساهم بشكل كبيرفي اعادة تموضع القوى السياسية والاجتماعية على الخارطة السياسية العالمية، رجال الاعمال والمال، كتاب مأجورين ومفكرين استراتيجيين في خدمة سلطات القراروبقية الفئات الاجتماعية من اجل بعثرتها واعاد انتاج قوى اجتماعية جديدة على الصعيد العالمي تتناغم مع احداث ما بعد ايلول.
ان بعثرة الوضع السياسي والاجتماعي في العالم جعلت اغلب الدول والشعوب تعيش حالة تخبط وخوف وعدم استقرار وانعدام الامان والخوف من المستقبل المجهول.
لقد صور الاعلام الحرب على الارهاب بطريقة مرعبة للناس، جعلت الجميع في حالة خوف من بعضها، فككت العلاقات الروحية بين البشر، مزقت الترابط الإنساني بينهم، جعلت كل فرد يفكرويبحث عن براءته وخلاص راسه، ديكتاتورية على الصعيد العالمي من دون ديكتاتورواضح المعالم، في ظل غياب حماية من الدولة الوطنية او مؤسسات المجتمع المدني التقليدية، وانحدارشديد للطبقة الوسطى في العالم وخاصة في اوروبا والولايات المتحدة التي تنذر بسقوط قوى وفئات اجتماعية إلى الحضيض، التي كانت تأخذ الحصانة من دولها. ستنزل قطاعات كبيرة إلى الشارع في المستقبل القريب تلتحف السماء وبرده القارس. اننا نعيش في ظل نظام غير اصيل، هلامي، مفكك، ليس هناك شروط لتفككه او ترابطه. تفكيك ما يمكن تفكيكه، ليكون المال هو الخلاص الوحيد. حتى الدول لم تعد قادرة على حماية نفسها وحدودها، حالة رهاب عام يجتاح العالم من عدو وهمي غير محدد الابعاد صنع عبر الآلة الاعلامية الموجهة والشديدة القسوة التي لم تترك بيت او دكان او مزبلة الا دكت حصونه وقلاعه وتماسكه.
عملت النخب المتحكمة بالمال والسلطة عبر سياساتها التقليدية على مد تحالفاتها الاستراتيجية عبرالمصالح والتوازنات القائمة على التقسيم الدولي للعمل في ظل نظام قديم، يحاول تجديد نفسه، عبرتأزيم الصراعات العالمية، حروب وفقر، مجاعة وفوضى، ديكتاتورية واقتتال طائفي، بعيدة عن أرضه وحدوده، تفريغها في آسيا وافريقيا، ككتل سكانية وجغرافية من اجل دفعها للانخراط فيه واستثمارالفراغ في هذه المناطق من اجل تحسين ادوارها او البقاء في ذات الموقع للحفاظ على الوضع الاقتصادي المتقدم فيه.
فالعولمة الاعلامية، السطحية، البعيدة عن اي فكراو بحث معمق، ديماغوجيا مبرمجة ومركزة تقود وترتب السياسات وتمد الخطوط إلى الامام بل هي السباقة في رسم خرائط العالم الجديد وتطوراته القادمة، ترفع قوى سياسية على الساحة الدولية وتنزل آخرى. تغطية التطورات الامنية والتكنولوجية والعسكرية بشكل مرعب حتى يصل الامر ان يعتقد الإنسان انه مستهدف من بيته واسرته ولا يعرف كيف يتصرف ويغطي عجزه النفسي والروحي.
اعتقد في ظل الزمن القادم على الصعيد الدولي ستزداد حالات الانفصام، العصاب، الوسواس القهري والكثير من الامراض النفسية المزمنة، الجديدة التي لم يكتشفها علم النفس الحديث. لهذا على الدول من الأن ان ترصد موازنات كبيرة على الطب النفسي من اجل الابحاث والدراسة لاستقبال الامراض النفسية المستعصية في الزمن القادم.
فوسائل الاعلام الموجهة تمارس دورالهيمنة على الدول والشعوب كبديل عن الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية، فهي التي تزرع الرعب وتخندق قوى وترسل الجيوش وتفرض انسحاب جيوش، تمزق حكومات وترفع أخرى، وتجعل من المناضل مجرماً ومن المجرم إنساناً شهم. تخرج جيوش من مواقعها وتدك دول في عرينها/ انسحاب الجيش السوري من لبنان/ كمثال.
لقد سعى الاعلام، الحرب الاعلامية على الارهاب على إعادة انتاج عقل جديد في الغرب يتناغم مع بعضه عبرالمناهج والبرامج، في الكنائس والجوامع، في المدارس والشوارع إلى ان تبلورشعور عميق لدى الناس في الغرب عن حرب مزعومة انهم المستهدفون منها. راحت هوليوود، المطبخ الخلفي للسلطة ، للعهر، تلعب دور العراب في انتاج الافلام عن الاعداء المحتملين والذين يمكن ان يكونوا، تقسيم العالم إلى فسطاطين بحسب بوش الابن وابن لادن، الاسلام والكفار، الحرب الصليبية المقدسة، صلاح الدين الايوبي القاتل، الشرق والغرب، حضارة التقدم والتخلف. بل ذهب البعض باستعادة التاريخ، سقوط روما بيد البرابرة في مشهد منافي للعقل والعصر يسعى إلى تحقير العقل والانتقاص من قيمته كمعطى انساني مميز، في تصويرمقرف عن ما يحدث هو رد فعل على اخفاق الحداثة وهزيمة الشرق العربي والاسلامي.
لقد أرادت الولايات المتحدة الامريكية من البرجين العملاقين، المستقيمين المتوازيين ان ترسخ في ذاكرة الناس على المستوى الكوني كشاهد متسرب بارتياح ويقظ، يدخل بانسياب في ادمغتهم كشواهد على انتقال البشرية الى مرحلة عدم الاستقرار، هواساس لنظام دولي قائم على لا نظام، وترتيب العالم وفق هندسة مبعثرة ستمس حياة ملايين الناس في عمقهم الاخلاقي والروحي، ليدخل الشك في مرتكزات تكوينهم الروحي والنفسي وفي حالة تضييق فظيع على النفس البشرية ومحاربتها في عمقها، في الشارع، في البيت، قرب المدفأة، وهي تأكل او تشرب. فالاعلام خلق حساسية ذهنية، احساس بالزيف، بانه متهم. كما انه نقل البشر وفرزهم إلى تموضعين منغلقين ينتفي فيه التنوع والاختلاف.
فهو السباق على نقل اخبار الحرب بسرعة قصوى ونقل المعلومات والعلاقات الدولية من افقها الضيق إلى الكونية ومن حروب محدودة إلى حروب شاملة ميدانها الانظمة والدول ومن لف لفهم.
الحرب على الارهاب لعبة محددة بحدود، مكان عائم.
علينا ان لا نجلد الذات العربية والاسلامية باننا متهمون او ارهابيون، اذا قبلنا بهذا التصنيف نكون قد ادينا الغرض المطلوب منا فعله. ان الحرب على الارهاب هي حرب عنصرية، نازية بطريقة جديدة، من دون مسميات، انه حدث مصنع، موظف ممول، يسهر الاعلام على تسويقه، أي مدفوع الاجر.

ديالا بشارة : كاتبة سورية تقيم في السويد

عن جـدل الآن

جــــدل : هو الموقع الرسمي لمركز الآن اعلن عن تأسيس المركز في بيروت عام 1996 ـ صدر عنه مايقارب ثلاثون كتابا في الآداب والسياسة والفن ـ انتقل نشاطه الى أوروبا بداية العام 2004 - يساهم بتحرير واعداد كتب و مؤلفات بتكليف من مؤسسات اجتماعية واحزاب يسارية و منظمات حقوقية .

شاهد أيضاً

Gomel 95 my letters to this world Cover

سامي نيال : غومل 95 لأحمد سليمان ، نصوص فالتة وحديث عن ثورات في مطلع الألف الثالثة

غومل 95 نصّ يشبه ذاته بل أنّه يتجاوز ذاته ،بلغة رشيقة,وبنصوص تشي بمعان لا يجيد …

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

error: Content is protected !!