أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق / ســـرد / زهور النار : من الالف الثاني في الكومنولث تحديداً – كتاب

زهور النار : من الالف الثاني في الكومنولث تحديداً – كتاب

إلينـــا : كلما رأيت حافلة مسرعة يحضرني شكله ، شكل الأسمرالضئيل، كما لو أنه لم يغادرني في مدينة الغبار والتعب، و قتها قرأنا عن الأحلام الكبرى ، وعن المرأة التي ستقودنا إلى النور، ثمة ما كان يشدنا فنذهب كوحوش تقبض على السحر الذي يحدثه اندريه بروتون وفهمنا في المطلق بأن السريالية تحرر الأفكار والفلسفات و السياسة من الجمود ، بل تقتل بشاعة العالم ، ثم أدركنا عبرها بأن الطريق إلى الثورة المتجددة يمر عبر ترو تسكي وقليل من النظر إلى روزا لوكسمبورغ وبعض قمصان تحتوي على صورة غيفارا، وها نحن كأي شيء يتحول إلى طيف يمر في سماء العالم نتذكر أو نحد في الذكرى بقسوة وإيمان مضطرب ، وثمة حديث لم يكتمل .

عن زياد عباس و آدم حاتم ، عن ربيع خليل و جميل حتمل ، عن احمد سليمان و دونا فاضل.

– لعلَنا لم نمت ، لعلني أتذكر

  • أما بعد . فقد ورد في سياق السرد اسم الروائي السوري هاني الراهب ، كذلك إسم الشاعر عبد اللطيف خطاب الذي مات نتيجة خطأ طبي ، ما يهمني القول إنني تناقشت مطولا حول الحيز الذي يخصهما إذ لست سوى منحازا ومحبا لنتاج اغلب قراءاتي وان غادروا كتابا وشعراء ورفاق أمس وذكرى أليمة . تحية لروح هاني الراهب،كذلك، لدم عبد اللطيف خطاب و روحه. لئلا تميت مشافينا المزيد

———————————————————————–

  • زهور النار من الالف الثاني في الكومنولث تحديداً
  • · الكاتب أحمدسليمان
  • · طبعة إلكترونية أولى 2010 اصدار مركز الآن
  • · تصميم غلاف وفوتومونتاج ندى عبود
  • · صدرت الطبعة الورقية في العام 2002   “

منشورات الآن   “

  • للقراءة وفقا للتصميم ادرج خط
  • Microsoft Sans Serif
  • الأعمال الكاملة      www.scribd.com/ahmadsleiman

———————————————————————–

غومل 1995

ما زلت ألبس خوف امرأة وعجوز يوزع خرافات كيفما يشاء ،ومنذ أيام قليلة غادرت مرسيليا هذا الزمن القصير ،مرسيليا كانت قبل أربعين عاماً هنا قبل سقوط الحلم وقبل أن يتكسر وجهي في هذه اللحظة.

بنفس اللهفة التي جعلتني أغادر ذات ليلة، وللأسباب ذاتها أبدأ ذاكرة الأمس من هنا، قبل أن ألتقي وجه المدينة وبعد أن غادرها الأصحاب و الأصدقاء الذين جمعتني بهم طفولة الوحل و الضياع.

–       أدخل دوار الساعة المعطلة بينما تطل مثل برج إيفل ، وحدها جعلتني أشعر أنني بعيد عنها، تماماً كما دخلت مدينة غومل وأنا أخمن بمدينة ما دعوتها يوماً مدينتي……

دون حيلة ، أدخل حجراتها متفحصاً أمكنة تشبه سنوات تيبست في حلقي بالقرب من السور المتآكل نسبياً والذي تم تأهيله مجدداً.

الواجهة مائلة و (أويس القرني) يتضرع .

(اويس) الذي يجثو مثل إله منهك هو الآن مزار لم يكتمل إلى جانب مآذن متلاصقة.

آمنت كغيري ، في حين أن المدينة لم تكن مؤهلة لذلك البناء أقنعت نفسي وقلت للمنطقة أسبابها ، لكن ، ما زلت أسال عن شساعة السر الذي يحيط بالأمكنة التي يستخدمها المصلون والمؤمنون اليتامى . مضيت ، اليتامى قبلي ، الوقت متأخر .

ككل شيء هنا، أصحاب جديرون بالحب و المغامرة ، ثمة آخرون لا أعرفهم حملة كتب و قصاصات صحف، إلى جانب موزعي نشرات موت أكيد.

———————————————————————–

حي الشراكسة

تحدس النفس ذلك الحي … هناك حي الشراكسة ، قالت النفس ، يبدأ بجامع، على زاويته شارع طويل ، جامع و مئذنة عالية صوتها خفوت ، توازي ساحة ذات ساعة معطلة.

المئذنة تجاور السجن المركزي يقابلها شارع يصل منه وافدون من المجمع الحكومي وكنيسة الأرمن، ثم نرى حديقة وسطوحاً يحتلها هواة طيور، هي ذات الطيور التي رأيتها تتجول بالقرب من ساحة الكريملن منذ أيام، هي ذاتها تُعتقل وتباع قرب شارع يُفترض أن يكون بؤرة للثورة.

لم تكن الطيور ترفرف إلا كقلبي، لم ألمس الطيور التي كثيراً ما كنا نرسمها في مهرجانات السلم

و الحرية ، نُمجد الشمس فترمقنا ، تنسحب من رسومنا الطفولية ، تنسحب إلى قلوبنا ، على رؤوس أصابعها تنسحب الشمس صحبة مطرقة تهوي علينا وعلى الطيور التي لم تكن ترفرف إلا كقلوبنا.

وبقوة كانت ترفرف.

———————————————————————–

ونيسي

كي لا أظلمه سأصفه بـ(الونيس) أتقاسم وإياه

أحوالنا وحظنا الأغبر بدءاً  من نوبات المرض مروراً بلعنة الشعر و الكتابة،

على الأغلب نسخر من  كل شيء حتى من أنفسنا نسخر .

لـ ونيسي طرائف مثيرة ، قلما يسلم منها الآخرون ، لسانه المرن ،  السليط جداً عند إثارته لمواضيع قد تسبب إحراجات سياسية لدى البعض. وعنه  أروي سيرة سياسي ، قصد هذا السياسي طبيباً

نفسانياً ليفك معضلته في  الإحباط و النفور التي ترسخت في حياة بدأت تضيق .

ينصحه الطبيب النفساني بأماكن اللهو وما يطيب

لراحة النفوس ، وقف  الرجل وهو بحال من الذهول مما وصفه الطبيب

سائلاً :

كيف لي بأماكن اللهو وأنا في حضرة مهرج سيرك

يسألك الخلاص ؟!!

نخلص من السيرة وإمكان مقارنتها بما يمتلك

إنساننا المعاصر من نزوع

تهكمي فاضح للذات .

و إنساننا هذا يحتاج لما يقوم به السياسي السابق

ورجل السيرك ذاته في  زمن بدأت أقانيمه تفرز فظاعات بائنة بعدما أعلن

إفلاسه من ذخائر  الممكن.

ونيسي الذي ألفت مشاغبه القاسية يرمم جوارحه

كي تقوى على مداعبة  روح الآخرين ، فهو على عادته القديمة يتعمد ذلك

كنوع من الهروب  و المزاح لعلها السبيل الآخر للخروج من صمت

يطغى على كل شيء.

قبل سنوات ليست بعيدة أجريت له عملية إصلاح

لكافة أعضاء جسمه، كان بنفس الجناح الذي جمعه

بامرأة تركية مسنة ، ونفس الأعراض القلبية التي

عانى منها الإثنان

المرأة التي أحفظ وجهها ، أمي تهذي لكثرة

أمراضها ولم تكمل حياتها  الأخيرة ،بينما ونيسي شامخ متهدم كما سور

( الرقة ) وجامع (أويس القرني )،

بل مثل باب بغداد ،

ونيسي بعدما  أصلح أعطاله الكثيرة ،

وبعد أن غير صمامين في القلب بدأ ، يفكر  بالزواج ،

صمامان … يضخان أكثر من معدات المياه

عند صديقي  سكرتير اتحاد الكتاب.

ولهذا السكرتير آن يدعوني بعد أن هاتفني

لحضور جلساتهم . لم أكن  متحمساً لهكذا جلسات حيث تكثر الموضوعات

و تتشعب أمور الأدب  بالسياسة ، ولا يخفي الأمر على أحد كي يدون

ملاحظاته أسوة بهواة  المحو ورجال الخلسة.

مع أنني أميل إلى الصمت و التأمل أكثر من الحديث، فلي مشكلات من نوع مختلف قد لا يطيب لهم سماعها.

وقد لا يروقني سماع حكاياتهم مع أعضاء الإتحاد

و رؤساء المؤسسات  الثقافية ، فأنا خارجها وعلي أن أميل

إلى تأمل الزمن الذي يحتضر، أذكر

حالتي في حينها ، كنت أعيش عزلة حقيقية

إذا لم يكن لي أي علاقة بما  يجول في تلك الفترة التي دامت لشهور قضيتها كمن ينتظر فرصاً كثيرة

وأنكفئ دون أية نتائج ، كما حياتي التي أكتبها

وما لمست واحدة من  شذراتها،ما أنا اليوم وما يصلني بهذا العالم إلا

سماعة هاتف وعلبة بريد  وبعض أدوية وسموم أتناولها بانتظام .

جاءت دعوة الصديق بعد أن عملت على تسوية

أمور خاصة بطباعة كتاب

يحمل اسم شقيقي، هو ذات الكتاب الذي رفضته

الرقابة عندما قدمته باسمي !!

و للآن.

أخي مؤلف الكتاب خاصتي وأنا أتأمل بحب

رحيم كم أنا خجول من اسمي

و كم أنا فخور بأخي .

سأورد شيئاً آخر عن ونيسي الذي يشبهني ببعض مشكلاته .

كان يفكر بالهجرة إلى الخارج لكن الجهات مقفلة أمام الذين مثله في حين إنها

مفتوحة على مصراعيها أمام الذين لا يفقهون من الحياة سوى ما زاد من فضلات بطونهم .

كما العديد من الشباب سنجده يصدر كتيباً شعرياً، و على إثر عمله  احتفى الأصدقاء الذين تربطهم به قرابة الأدب

و الثقافة الأخرى ،  ربما جاء ذلك الاحتفاء لندرة مادته الشعرية

و أسلوبه الذي  أجده ” يتجه لا يدللكنه أكثر دلالة من المعنى ، تكمن صوابية  ما سوف تشكله لاحقاً في حين أننا نجد ما هو

على غرارها بدأيقوى بشكل متمايز بأماكن  مختلفة.

أتفاجأ بما كتبه ونيسي قبل عام حيث أقرن نصاً شعرياً بمقدمة من  ” سفر يهوديت ” الإصحاح الرابع و هو سفر

غير مثبت في الكتاب  المقدس “المتداول حالياً ” طبعة الآباء اليسوعيين في  بيروت 1875 و وضع صورة إرميا جاثياً يبكي خراب أورشليم على

عمله الجديد .

المشكل أنه لا يعي ما ترمي إليه أبعاد فعلته ،

فمقولة غير مثبت وحدها  تحتاج وقفة متأنية. لماذا غير مثبت ؟

لا بأس فبذلك ما يمكننا أن نصفه مغامرة أخذ بها

عبر الكتابة وحدها دون  أن يعي ما سوف تقدمه من خدمة و اعتراف معلن بما لم يثبت.

أليس بذلك وحده اشتغال كائن آخر . روح شاعر

تسكنه نار أخرى نار حلم و جسد كتابة ، هي نار

تضع الذي أضرمها في محرقة الحساب على

مرآي القداسة و الفعل الخاطئ ،

فكر يعمي بصيرته و حياته بينما عيناه جاحدتان لما آلت إليه الخيبة الكبرى

كأن به روح مغامر دون أن

يأبه لما تحدثه فوضاه .

قبل أيام قليلة ، قبل مغادرتي المدينة هنا( ك ) هاتفي تحبباً بمشاغبات آخر

الليل ليقرأ لي نصاً مسرحياً تعتمد مادته على أسطورة، ثم أكد لي أنه ليس

أقل تعباً مني، و أنه بالكاد يمسك سماعة الهاتف

سألني عن هذه السيرة هذه الحكاية الناقصة هذه

البلاد التي يسكنها الأحباب اليتامى ، أما اليوم فما

أستغربه حقاً ، كيف لبلاد تحيا فيها الثقافة بينما تميت الحلم و الشعراء ؟؟

———————————————————————–

وضربه على قفاه

ثمة تواريخ لن أنساها 1984 ،  أواخر هذا العام حدث أن التقيت صديقاً من أصدقاء الصدف ، كان يعمل لدى مؤسسة إعلامية لإحدى المنظمات السياسية ، كما جرت العادة أن يكون لكل منظمة تيار منقسم عنها أو زمرة حتى ،حصل ان داهموا المقر ليعتقلوا من كان فيه ، و صديقي كان معهم .

باسم النضال و الحفاظ على الثورة المتأججة جرى تعذيبهم بأساليب لا تختلف عن المشاهد التي نراها على شاشات التلفزة .

لا اتفق و ما يطرحه الصديق، لأنه ينتمي إلى عقل متطرف، تالياً سيكون من شأنه كأي سلطة لا يرى إلا بعين واحدة.

مع أنني أتألم على حالته تلك، كما لو أنني هو… و هذه الصور الداكنة توضح تقوس ظهري بينما أصابعي ميتة أكتب حروف القسوة.

–        تاريخ آخر لا يختلف عما أوردته قبل قليل و لا يختلف عن غيره حتى… بفارق بسيط حيث نجده أكثر عصرنة .

كنا في منطقة جبلية تستخدم فيها إحدى التلال كسجن سري لمنظمة نشطة بالتصفيات الجسدية ،

و قرار 242 كان موضوع تلك الساعة.

ثمة عمليات انتحارية ، خطف طائرات اغتيالات عشوائية    و غير ذلك

العاملون على حراسة السجن كانوا على الأغلب من المثقفين و الملائكة الأبرياء إلا أنهم أداة لترويج مخططات ما آلت إليه الأمور في أيامنا هذه .

مع ذلك قرروا تصفيتنا، عرفنا ذلك قبل ساعات، بعد أن قصفت الطائرات الإسرائيلية أحد المواقع المجاورة للسجن ذاته.

من المنتظر أن نموت بعد لحظات، لكن ثمة أموراً تسير في صالحنا، المحقق إيراني و الصحافي الذي كان يستدرجنا ببعض المعلومات الشخصية لمجلته فلسطينياً من القرى السبع ، و رجل آخر أجهل جنسيته له ذقن كثيفة عمل على هروبنا أثناء نوبة الحراسة لأحد الباكستانيين بعدما ناوله قطعة حشيش و ضربه على قفاه .

لم أكن أدري أن لذلك الإيراني علاقة بمزار ” أويس القرني ” و لم تكن ذقنه حليقة لكنه ملاك آخر، يحمل كتاباً سميكاً، يقرأ بهدوء رخيم ثم بكى المؤمنون اليتامى. أتذكر شكله، غالباً ما أراه على شاشات التلفاز فهو يشبه قيادياً بارزاً في البرلمان مرة أخرى بكى الجميع، كنت كما اليتامى، لكن لا كتاب بين يدي، حزيناً و متعباً و منهاراً كنت ، كما هذه اللحظة لحظة استفاقني من المنام.

———————————————————————–

رقابة المركز

واضع الختم غائب، كونه في عمل دائم، نجده يشغل مهام كثيرة، يعمل معاوناً للمدير، مراسلا ًشعبياً لإحدى الجرائد التي تصدر في الولايات المتحدة، منسقاً لمعظم خدمات البلدية ، معداً للتقارير الشهرية عن أحوال المنطقة ، حيث لكل منطقة أسبابهاو أمور اخرى أجهلها .

هذا ما ذكره أحد المراجعين من أجل الختم ذاته ، وبعد قليل وصل واضع الختم الغائب ، أخرج من جيب البنطال ختمه ثم راح يقلب الأوراق التي تضمنت الطرد خاصتي ، وقع نظره على مقال ” رقابة المركز ” لم يجد بالعنوان أية أهمية بعد أن تأفف و طلب إلي أن أغيره ، هذا ما لم أفعله على غرار ما طلب أموراً أخرى حول الطرد في حين المقال المذكور لم يكن له أية علاقة بالمدينة أو البلاد أو ” المركز ” الذي سيختم الطرد البريدي حيث كانت مادته حول ما كتبته مستشرقة أمريكية متخصصة بجنوح حركات التحرر العربية عن مشروع إبداعي يطمح للارتقاء ، معتبرة أن ذلك الطموح امتداد لخلفية ناجزة لأكثر من خمسة و سبعين عاماً

و يا للمفارقة هذه أن تدمج بعض معلومات حصلت عليها من بعض أقسام تخص الاستشراق و البحوث في بلدها الفاخر بالوصاية على شعوب المنطقة .

بالأصح سيكون حظاً وافراً لبعض كتاب التقارير في العالم العربي .

مجرد وثيقة  تجمّل الكذب و تلفق معلومات لتنشر على حلقات.

مع الإشارة إلى أنها كانت تحتوي على فنية حالت دون الرغبة و الجدية للارتقاء بمستوى المشروع الذي بادرت بمناقشته.

بين يدي قصاصات صحف وصلتني بالبريد الذي يمشي مثل سلحفاة، بريد اليوم لا علاقة له بما أوردته قبل سطور قليلة.

لكنه بريد ، و لي غرام خاص

بيوم البريد العالمي حين

(يفلش) اسرارنا و يجعلنا عرضة للجميع ، كم كان مؤلماً حين استلمت رسائل أصدقاء من مشرق

و مغرب العالم و قارنتها مع مثيلات بائسة

- قلت لي غرام من نوع مختلف قد يعود تاريخ غرامي بالبريد حين بعث رسالة من مدينتي إلى بريد العاصمة لأستلمها بعد شهور ظناً مني بأنها مرسلة إلي.

و قرأتها كما لو أن الموقف كذلك، مؤلم هذا الشعور أعني حين تفتح علب البريد لتجده يتأملك من جهته الأخرى.

———————————————————————–

تاجر التحف يحاور البولشفيك

بين أن أكون حاضراً داخل المعترك و بين أن أقرأ حول قضية ثمة مسافة يعجز تفسيرها من خلال بريد يمشي مثل سلحفاة ، بريد مستعجل و جبان لعل ذلك الفضل يعود إلى انهيار الكتلة الشرقية و إعلان دول الكومنولث بديلها الآخر و هذا البديل لم يحقق غرضه حتى الآن .

اضطرابات في العاصمة موسكو بسبب عرض قدمه رجل أعمال بريطاني له باع طويل بتجارة التحف ، سيما الموتى اليتامى ، بعيد العرض ذاك حول استئجار ضريح لينين ليجول به تاجر التحف رجل الأعمال البريطاني ، ثمة عواصم عالمية تنتظره بالضريح بطائرة خاصة سيتعرف لينين على نوع مختلف من البشر فهؤلاء البشر سيرمقونه للمرة المليون و يشككون بدولة العمال التي أرادها للعالم.

العالم سيكون تحت طائرة رجل الأعمال، ستفشل هذه المهمة،

إن لم تتفق الحكومة و التي بدورها بادرت برفع الحماية عن الكريملن ؟

بداية غير موفقة كانت ، ثمة حماة و جنود متطوعون دعاة إصلاح و ثورة ما بعد ثورة ” البولشفيك ” بعد انهيار الشيوعية ” كنظام حياتي منكفئ ” معادلة روج لها تجار الأسلحة و العتاد الحربي منتجو العقول و خبراء الفتك و الدمار الشامل ،  قلت معادلة ، من الممكن تأملها .

مفارقات ، و مفارقات لا يمكن للمتأمل سوى أن يربت على نفسه و يضع كفيه على وجهه كي لا يقهر.

و أخص بذلك حين ألحظ طاولات صغيرة تتوزع في شوارع عاصمة

بيلا روسيا فوقها أعلام صغيرة و علب شفافة يدعوك من يجلس خلفها كي تتبرع ، مفارقة حقاً ثمة من يتأهب لإعادة الأمور إلى عهدها و ان كانت بصور غريرة أقل فتوة و اكثر طيشاً في بلاد يحكمها اليوم رجال مافيا .

هم ذاتهم الذين يفرغون محتويات تلك العلب الشفافة ، باسم الشيوعية ، بل لشيء من الحنين إلى تربيتي وجدتني أتبرع بينما ألحظ رجال مافيا يقلبون كل شيء في مدينة الحب و المرح مدينة الشيوعية المعاصرة هنا في ” غومل ” على بعد مسافة داخل القارة الحمراء بلاد لا يمكنني تصورها خارج تقاليدها و دمها الناري الفاتن ، من هنا مرت الثورة الشيوعية ، هنا بيلا روسيا .

قصاصات … اف… اف ، قصاصات لا تنتهي جميعها تدعوك للتأفف جميعها تذكرك بغيابك عن نفسك ، ما الكتابة إذن إن لم تغب عن نفسك ؟

أن تكون ضدها ، أيضاً سيكون بذلك مزاج غير مؤتلف .

ثمة ملف أعدته الصحافة المغربية عن المغايرة و الاختلاف ، يحتوي على سجالات ثقافية و فكرية، كان ذلك الملف بمثابة هدية لحركة المغايرة التي نلحظ نشاطها عربياً رغم جدار القطيعة الذي تفرضه طبيعة الجغرافيا السياسية في هذا العالم الجميل المتأنق دوماً على جثثنا .

و غداً سأكون أقل تعباً كما تشير بطاقتي الصحية ، لكن ، سأكون أكثر بطئاً من البريد و السلحفاة،

أما الآن فعلي أن أقرأ حسب إفادة بعض قصاصات منشورة في صحيفة إحدى أحزاب المعارضة أيام زمان كان للمعارضة العربية أن تحلم كما كان لنا أن نحلم، أكثر منها ربما.

تورد الصحيفة كلاماً نقلته عن وكالة أنباء فرنسية و اعتبار أدونيس المثقف العربي الأول الذي بشر بالتطبيع .

يا لهذا الخبر الذي يمهر بخاتم أكيد ،  الياس خوري” يحاول تجنيد بعض الأقلام ” لا أدري إلى ماذا يرمز حضرة المحرر المعارض ،

محمد بنيس ينعى اللغة في المغرب ”

“ادوارالخراط تخلف عن مشروعه الكتابي ” ربما يعتقد ان الخراط داعية حزب سياسي .

محمد شكري يوزع متاريس الصمت و العزلة ، في زاوية أخرى نقرأ عن روح شاعرة تنازع تدعى نازك الملائكة .

و ثمة أخبار و أخبار و خبر تافه عن موت ” الشيخ إمام ” ثم اقرأ في كتاب مرسل مع ذاك الطرد لهاني الراهب ،

كما لو أنني أقرأ له من جديد ، أو أنني سأودعه بنفس اللهفة التي غادرت البلاد ، هاني كم أنا غاضب عليك و كم أنا مستاء مني ؟!

———————————————————————–

مغرم على ما أعتقد

انا مغرم على ما اعتقد ، لكن اللغة هنا مؤذية ، ثم أنها لا تصلح لبوح عاطفي ، معلمة اللغة تأكل تفاحة و أنا اتفحص السوتيان الذي خلعته و علقته على رقبتي ، لا توجد بغرفتي مرآة نظرت إلى زجاج النافذة ، الثلج يملأ الزجاج و نعيق الغربان في الخارج يؤذي جسدي ، أحتاج لمن يواسيني ، هكذا يفكر جسدي ، له أسبابه ، لكن ، اللغة هنا تؤذيه ، لذا أجد جسدي ، على غير هدى يلبس ما يكفي لأربعة بالإضافة لبنطال جلدي و معطف سميك ، أخذته من جنرال متقاعد في الجيش الأحمر الروسي بالإضافة للرتب و النجوم التي ستجعلني أحلق في الجحيم .

أسأت تصرفي مع هذا المعطف . السوتيان على رتبة المعطف دافئ لكن خجلي يؤذي اللغة و المعلمة الروسية تصر أن أبدأ بلفظ حروف الهجاء

أف …

سأعود إلى الطفولة أنا أكثر ميلا ً للتأمل لذا فضلت الإيماء بدلا ًمن فك رموز اللغة بدءاً مع حركة يخفيها السوتيان ، كان صدرها أمومياً أنا كأي طفل شاق

–      لذا سأبدأ بلغة تؤنسني ، لكن هذه اللغة تفشل باصطحابي إلى أقرب ميترو أو ماغرين لابتياع الأكل

–      أنا لا آكل هنا ، لذا لن أحتاج إلى اللغة سأعكف على تعلم الايماء ، الأكل هنا لا يصلح أعلافاً حتى ، بعد قليل سآكل وجبة تعدها معلمتي ، و أكلتني من قدمي الثالثة

– أنا جائع و الأكل هنا يؤذي الشهية

سآكل المعلمة إذن ، خمنت بهذا ، فهمت أنني بردان و ضمتني .

الصورة التي بيدي يعود تاريخها لبضعة شهور أنظر إليها بدقة .

- من هذه ؟ قالت .

معلمتي الفرنسية ، أجبت .

- تعلمت اللغة الفرنسية إذن ؟ قلت لا ، تعلمت الإيماء و الجنس

-        كيف ؟

لم أجب في هذه المرة كما أسلفت أي أني لا أحتاج إلى اللغة الروسية كما أنني لن أحتاج إلى لغات أخرى ، و فهمت المعلمة سر صمتي تأملت شكلي المائل إلى الغروب ، و فهمت منها بأنني لن أتعلم اصطحاب امرأة روسية إن لم أعمل على هجاء اللغة .

و لأنني في موقف لا أحسد عليه رحت كما لوأنني سأتعلم اللغة ، حفظت خمسمائة مفردة ، جميعها تتعلق بالأكل و الجنس و النوم ،

أما لينين الذي علمنا أن نحب الشعوب و ماركس الذي أورثنا رأس المال و تروتسكي الذي نسيته إن كان زعيماً ثورياً أم أنه بطلا ً لفيلم أنتجته الولايات المتحدة ، فهؤلاء جميعاًَ يؤكدون ما يمكن ان نتعلمه بلغات الأرض .

و أنا لم أتعلم غير لغة اهلي ، الأقرب إلى نفسي ، وان لم اكتب بغير اللغة العربية طبقاً لمعادلة المنطقة التي جعلتنا نغادر إلى بلاد من الممكن ان تنتجنا بهيئة هجينة وها نحن مزيج من لغات اتراكية و عربية و بعض فتات من لغات أخر

ان تطلب ما تشاء في رسالة واحدة ، أن تخذل أيها العشيق ، نارك باردة ، في رسالة أطلب فيها أن تعيد لي الكلام الذي قلته لأجلها ، موضحاً ما ذكرته في الرسالة الخامسة و العشرين لم يكن عنها

– ومنذ أيام (كان ذلك من زمان) وصلتني حروف ممرغة بماء الرغبة ، وثمة ورقة مذيلة بحرف دقيق بالكاد أبصره ، تورد :

وهبتك ما لم تستطع إمرأة ان تشعله فيك .

تبدو لي المسافة قبل أربعين عاماً خلت ، قبل ان أغدو ناراً مطفأة ، بعدما أحببتها بعنف لاهب و قبل تؤججني .

عنيت الفكرة إذن و نسيتني في الخامسة والستين من عمري القليل عن حب امرأة في الثلاثين ، الثلاثين من الأعوام المتبقية مقطوعة مني إمرأة دعوتها بمرسيليا تيمناً باسم مدينتها جنوب فرنسا ، مرسيليا بعيدة هذه اللحظة ، هي جسد النار و أنا مجرد فكرة

———————————————————————–

كنت قد وقعت بغرام آخر

كنت قد وقعت بغرام آخر ، أغرم بالأشكال الأخاذة ، المستطيل مثلا ً ، يحتوي هذا المستطيل على رسم أعمى رسم أخرس مفتون بسبات أزلي .

–      الأول داخل الكادر يغلق عينيه بورقة و عصابة تأخذ من ظل وجهي مكاناً .

–      الثاني يتأمل ببصيرته الأخرى يستوطن ذاكرة إذ لا يشي يغير معالمه دون جدوى .

- الثالث المفتون بربطات عنق وشرائط مذهبة تنزل من أعلى رأسه الى أنفه ، افتعال معلن عن خرس مفتعل ، عن صوت مكتوم .

الأشكال على ما تبدو عليه من إرهاب فاضح تحتوي على إشارات نجد بقراءتها شواذاً ونزوعاً لا يعكس دهشة المتأمل إلا ضد نفسه ، أشكال دون أن نلحظ حروفاً لاكتها أبواق حشود في المهرجان .

خاب ظني ، ظني الحسود يمارس البغي مع الأشكال ، أعشق الأشكال ، إذن أنا مغرم بالمستطيل ، عليه ما علي ، إذن المستطيل ، أن لا أجد صورتي لأنني تعب ، بل كي أهرب مني ، قد أضع فاصلة تحد قدرتي فاصلة تلمسها يد الله و الجسد المشوق ، الجسد الذي نهيئه دون جدوى ، المنهمر لحظة و نصبو صبابة من يتأمل .

– ما هذا الكلام ؟ هي تقرأ حروفي و أنا أبداً لم أغف .

ثمة خوف يرجئ كل شيء و الندم صواب متأخر ، كما ان العالم لا يهلك لا يعنيني أياً كان هذا العالم ، ثم أنني أحتاج الا أفكر سوى بالنار الصافية ، جسدي الظل الآخر ، أبصر تاريخاً عنه .

عندما نزلوا محملين بالهراوات و الخطو السريع مثل رجال كوماندوس فتشوا الوقت و الأمتعة و القصائد المعلقة . فتشوا المدفن الذي يحتويني تحدثوا مع موجة الإذاعة ثم ضربوا أخي الكبير و المتهدم مثلي ، ضربوه كما لو أنه أنا ، أخذوا شكلي و صوتي المتيبس على شفة أختي ذات الخال المرسوم على أرنبة أنفها

-        سأزيلها قالت بجراحة تجميلية ،

-         إذن سيطير أنفك أجبت ، ثم أنها لا تليق إلا بك يا أمنا –

تركوا صوت أمي و صلاة أبي اليتيم .

– و جسدي ، صباح كل عيد يهلك ، كأن أضرب جسد اللوحة بالسكين و أهوي في الثالثة إلا ربعاً بعد النوم ، في الخامسة و الستين بعد هذا العمر القصير .

———————————————————————–

شرقنا الأليم

أنتم تحاولون امتلاك كل شيء ، بما في ذلك الجسد ، فلكم ما تحدسونه من خطايا أليمة قد تأسر الجسد إن لم ترجمه بهوة سحيقة . وحدها الأفكار بمنأى عن اهتمامكم ، و إن وجدت ستكون في عالم يمتلئ بالتعقيد .

إنني حقاً لآسفة بما تدعونه بالغرب الفاجر كما يصفوننا لكنكم في الوقت عينه تثيرون اهتمامنا ، مع أننا لا نملك سوى أفكار قد لا تصلح لإعادة تأسيس ” انظومات “ تخرج بلاد الدفء من عفة المستحيل .

كلام صائب إذ ما عمدنا إلى مطابقته واهتمام جيل وصل اليوم عبر مفاهيم هذا العالم الى سدته .

كلام استشرافي لا يمكننا تعميمه على نحو مقارب من ميول أمزجة بعض ملايين من شعوب الشرق و إن لم يخضع هذا الشرق شعوبه لمصحات إلا أنه يتحرك ضمن خرائطية القوى المسيطرة و ما الجسد حين يكون ضمن هكذا آليات تندرج داخل السيطرة و الوصاية على برمجته حتى .

و ممكن أيضاً أن يكون هذا ” الجسد ” حقل تجارب لآخر عقار استحدثته القوى المسيطرة ، من يدري إن كانت ثمة أدوية و سموم تجيره حيث يتابع المستفيدون بعض رموز وقادة هذا الشرق بأحزابه النهابة ، و عقله الذي يمتص مجهود خبرة أبناء هذه المنطقة و ما تدره عليهم من أرباح و جنون نير يأكلنا .

إذن ، الجسد سيكون على سوية و ما تتمثله أدمغتنا ، أجسادنا التي قدر لها أن تفكر بالإخصاب لا بالوعي و اختراق حرمته العارفة كما أريد إليه من هلاك يدمي .

لكنه يعي حاجة الغرب و إن كان هذا الأخير يتأفف ، غالباً ما يتأفف و بالشرق يحلم .

- حبيبتي المستشرقة حين تجدين هذه القصاصات منشورة لن أكون إلى جانبك ، بينما أنت بأحضان صديقك الإسباني ، ” الفرنساوي ” الأصل كما تزعمين ، و أنا كعادتي أملي على جسدي بألايفكر كي أمارس عليه وصاية خارج الوعي الذي يتملكه غربكم الجميل حد السقوط بأحضان  و غرام هذا الشرق .

لذا لن أخاف على جسدي بعد اليوم لأنه يميل إلى وعي كامن لا إلى وعي مرتزق مأجور أو حتى خارق كجسدك الذي لن أجد متعة اشد من حرارته وقت صيف لاهب .

لتوي انهي هذه الليلة خارج المدفن الثلجي في قارة حمراء قبل ان يجف دمي ، قبل ان تصلك حروفي و تستهجني ببلاغة لغتها إذ لا تليق و لعثمة الصفحات التي عملت على مراجعتها كما لو أنها لي .

هذا إن لم أفكر بدلا ً عنك ، حين تأسست لدي رغبة بكتابتها يستحيل أن أنظر إليها دون أن أتذكر جسدي و المغامرة التي لن تقصيه إلى غير اللهيب .

جسدي أبعثه إليك طي هذا النص المستحيل فهو دين قديم على أية حال ، أسديه لما وهبتني إياه ذات يوم أليم ما لم تستطع امرأة ان تشعله في كما تقولين في واحدة من الأوراق التي وصلتني بحرف دقيق ، كما لو أنك تهجرين كنوز الشرق كما لو أن الغرب لم يشرب من حلمنا الأليم

أربعة معتـزلة وخامس يشم المعرفة

يحدث أن يتأمل أي قاص ثلاثين عاماً مضت ، إلى جانبه كاتب مسرحي فاز بجائزة ، إلى جانبه امرأة توازي الفطنة كما روحها الأكثر شباباً من العمر المديد.

زوجها شاعر ذو سلوك متحفظ رزين يؤانس الجلسة بتودد كلما امتلأ الوقت بالصمت وأزيز الطبيعة ، يتهامسون النار والعزلة ، أربعة كانوا وخامس يتقطر وجهه بالمعرفة وطلاقة اللغة بإمكاناتها التي أحب .

هذا ما لم اجده في جلسات أيام زمان قبل مغادرتي مدينة القحط و الضياع ، خلافاً لما كانت تعانيه العاصفة من نزوات المثاقفة بأمكنة أشبه ما تكون أضرحة وتماثيل يقدسها الشباب الذي يدلل إلى الأشياء قبل أن يتجه إلى أفاق يحتاجها قبل أي شيء أكيد.

رغبت ان تكون الدلالة بعيدة ، لأنه ما من معنى يستحق وقفة، أعني ومضة لا تلتفت ، كما يحدث بأجواء هذه السيرة وأنا أبداً خارجها .

–      زوجة الشاعر و الناقد الذي يعرف تاجر القماش ، بائع العطور الذي دفن في استامبول ، قيل انه يحترم مفهومه للثروة التي يريدها ان تأتي من لحم و دم ، لذا، كان ينشىء جمعيات بدلاً من أحزاب .

–       ما أنا سوى ابن لا يعرفه الناقد ابن تاجر القماش وبائع العطور، في حين أبي لم يعد يذكر اسمه الذي يأتي بعد اسمي.

كنت طفلا يدعى أورهان

سموني بهذا الاسم ، ” أحمد ” فهو يدل إلى نزعة بائنة ، أدركت ذلك عندما صفعني المفتي بينما كنت احدثه عن رغبتي بغير هذا الإسم .

–      يا جدنا .. قلت يا جدنا الذي في البعيد ، علي أن أهيىء صورتي ، أظنني حفيدك ، كنت طفلا ً يدعى أورهان ، ثم أمجد ، ثم خطأ في سجلكم ، و أحمد المكتوب على بطاقة الهوية يصغرني بأعوام أربعة !

كنت مجرد خلوة في أرض الحلال ، تقول أمي ، ثم خطأ في سجل الدولة ، عمري المكتوب على بطاقة بدون جدوى ، صحتي تنهار و اسمي الحقيقي تذكره ابي عند المقبرة صباح يوم عيد تذكره ابي و أنا نسيت حتى شكلي .

ما زالت الدلالة تلبسني ، ملامح ابي إلى زوال صورة العائلة و هي تودع فقيدها المعارض أيام زمان . زمن دفعتنا فيه أوهام الأحزاب و غضبنا العاصف حتى الصميم . مع ذلك و قبل أن أرتحل و أبي ، الذي سبقني إلى رحيل من نوع خاص يمكث بخلوته بينما أدمر نفسي بانتظام هانئ

كما لو انني اعمل على تأسيس مدفني ، أوزع صوري و قصاصات الجرائد إلى صغيرتين تركتهما بأعمار تحتاج إلى أبوة أكثر من أية ثروة .

مع ذلك أسأل ، سألت أبي قبل أن يتجه ، قبل ان يلتحف غيمة الرحيل

– أبي أينها الجهات كي تصلي ؟

القاص الصموت أكثر مني ، لم يخف مؤازرته حين سئلت عن جدوى مشروع ثقافي يحاول في هذا العصر الذهبي الأكيد . لم أجد في حينها ما يؤسس أجوبة مقنعة سوى أنني أحتد كعادتي

و غيرة مغالية إذ لم أجد ما يؤهل أية جهة لتحمل أمزجة و نزعات شعراء في هذا العالم الرحب ، رحابته التي لا تتسع ملائكة من لغة و زئبق ، تلبسهم روح قداسة و معرفة .

- لم تهدأ رجفة عيني ، و سكينة اللحظة أقوى من الصراخ الذي وجدتني أمارسه / كما لو أنني أهدد نفسي الخربة و أقود هاويتي .

و حقيقة أخرى بل حقائق ممرغة في ذاكرة مائية كما المرأة التي لم تتعلم لثغ اسمي ، غادرت و سؤالها يمارس اغتيالي في كل لحظة ، هو ذات السؤال الذي قادني إلى قراءة العالم ومن أحبهم من جديد .

و اسأل كما في كل لحظة ، كما لو أنني منذ أعوام اسأل . مدينتي ، كم الساعة في هذه اللحظة ؟ ما ذكرته كان خارج الجلسة ، كنت أخمن بنفسي ، الطاولة المستديرة ، الأربعة و الخامس الذي يتقطر معرفة و أنا لست بينهم ، كنت أعمل على تسوية شأن آخر ، و لم تكن لتلك الجلسة بما كنت أخمن ، لكنني لم أقتنع أنني أكثر قسوة منكم علي .

و ما أوردته كان بعد اتصال المسرحي و القاص الصموت الحرج مثل ظلال ..

بعض مذكرات احتجاج و امرأة تقودنا إلى النور

أعود لأتذكر حيث أكون بلا ذاكرة ، أتذكر فحسب ، وجهي الطفولي / استدارته آنذاك ، العيون الواسعة التي تمسك الحياة بكل ما فيها ، تنبت بعض شعيرات على ذقني إلى أن جعلت من وجهي شكلا ً يشبه وجه جدي

تروتسكي كان جدي ، هو لا يعرفني استنسخه كما لو أنه يدري .

و هكذا ، مثل كثيرين من أبناء بلادي ، حملت الحياة على كتفي . بعض مذكرات احتجاج أخفيها بين كتبي المدرسية ، قلما كان يسألني أبي عن جدوى تلك الأوراق ، قرأتها بصدق بالغ بينما الحياة تسير باتجاه آخر !

وحدها امرأة تقودنا إلى النور الذي يشبه حلم الثورة ، إذ لم يتعذر الأمر أن يقمن بدورنا ، نسوة دون أي سبب لكنهن نسوة ، لا يفكرن بغير الخطب و التصريحات التي تثقب أحلام صغار كانوا في الأمس ، لايشبهون وجوهنا الآن ، و نحن لما كنا أبدا ً بغير أحاديث الثورة المؤججة ، كأن بتلك الثورة ستقوم بعد أيام ، جميعنا ينحاز للمرأة التي تقودنا إلى النور .

كنا في عالم أعمى ، يفكر بغيره ، يكره القادة الكسالى ، امرأة لا تشبه إلا أنفسنا نقف خلفها كرمز دائم متجدد كان اسمها روزا لو كسمبورغ .

للقادة الكسالى ثمة من يكرههم إذن ، كنا نحن ، فالذين ” يضعون على أعينهم أكثر من غشاوة ” كما أشار فيدريكو غارسيا لوركا في جملة قرأها حاكم غرناطة من قصاصة صحيفة عثر عليها فونسيكا المدبر الرئيسي لمقتل لوركا ، و لوركا أحببناه ، لما فيه من لغة شفيفة كما اننا نختلف مع رجل جعل من شاربيه أحجية عصر السرعة يدعى سلفادور دالي ، وهذا الدالي مجرد واضع تواقيع على أعمال تلامذة يقلدون رسومه، وحده شاطر فيدريكو لوركا و طعن حاسته في إحدى رسائله التي وضعت حدا ً للعلاقة القائمة على المعرفة و الفن في قصر الثقافة هناك .

كما العادة وبحكم الغيرة التي تستلزمها بعض اشعار بابلو نيرودا ثم ناظم حكمت ، و بعض كتابات عن الثورة المتجددة ، صراعات تروتسكي مع قادة الكرملن ، نأكل هذه الأخبار و لم نشبع ، عن ذلك السحر الذي يحدثه منظر ” الحركة السوريالية ” أندريه بروتون ، لم نقرأ إيلوار و آرثر رامبو و أراغون لأن ثمة ما كان يشدنا لأشعار الثورة إلى أن ماتت فينا الثورة و بقي الحلم وحده كأنموذج للأمل و الثورة الأخرى

———————————————————————–

ثوار دون سبب

حكومات تقصي ما يمكن أن يشكل شغباً مؤثراً ينصاع إليه فضوليون ما كانوا يوماً ثائرين ، ثوار على رؤوس الخيبة . ما كانوا يوماً ثائرين ، كما ترى إليهم حكومات الثبات ، ونسينا كل شيء .

الحب كان من هذه الأشياء ، نسيت الحب و أنا بالكاد أعرفه … كأن ذلك قبل ثلاثين عاماً ، أي بعد عشرة أعوام على هروب مرسيليا من جنوب فرنسا

تحسست النوم و التعب و المنام ، كان علي ان أقود حياتي إلى جهة أخرى ، و كانت النفس جبارة ، كنت خوارج إلى حلم و امرأة و بعض رفاق هم الآن خارج الحياة .

ما لبثت أن ألوذ بهم وقعت وبيدي حفنة تراب ، وقتها حفظت حياتي في علب أدوية و مهدئات كي ألوذ بشكلي الذي لا يشبه الحياة كما لو أنه شكل جدي الذي اغتالته حكومة الكرملن .

مع ذلك فلا بأس أن أتذكر مرسيليا ، لكن ، ما أن أركض خلف طيفها يلفني علم بلادي ، و يحترق العمر في تلك اللحظة . كان علي ان لا أجيب أمام من سألني وهو يدقق بوثيقة السفر بينما يمرر اسمي على جهاز ثم يتوقف عند اسمي القديم ، قديم كما عمري وسكون المقبرة في بلدتي .

في حينها كان علي أحد أمرين إما أن أكون ملاكاً يتضرع للوثن و إما أن أقتنع بما حتمته جهات الأرض الأخرى .

المشكل أنه لا مشكل ، قلت ، سوى ما يتعلق برقم حساب في أحد بنوك فرنسا وحده هذا الكائن أمكنني لأنظر إلى نفسي كأي مشبوه أوتابع لإحدى مؤسسات الخارج ، إذ يحق لأحدهم أن ينعتني بالشكل الذي أكون خارج النزاهة بل خارج همومي و مشكلاتي مع نفسي قبل ان تكون لي مع هذا العالم أية حكاية . و بما ان الرواة ، الدعاة أصحاب السباب و البصاق ، الكتاب النمور في العاصمة ، ما على الأطراف سوى ان يصدقوا .

لا بأس فأنا اليوم خارج المركز الذي يؤهلني كي اغادر ، كيف لا ؟ بذات الزخم و العصف تقاد ألعاب العالم الأمثل … أباطرة وبنون … جلاد وضحية

كيف هو الحال فيما لو كانت الضحية تقود نهاية اللعبة ؟؟

مجرد صحافي متفاصح يؤسس كلاماً و تصدقه حشود في قاعة مؤتمر تابع لأحد مراكز التلقين ، قيل كما لو أن المشهد يستحق ذلك أو أنني بهذا الدور الذي أتمثله حسبما يجدونه الأنسب .

ثمة عصابي يؤكد ارتباطنا بقساوسة مضوا قبل عقود خلت ، هو ذات الكلام الذي بصقته علينا امرأة ، بأننا حملنا كواتم زندقة و إلحاد ، ربما الوشاية هذه تدلنا للجلوس بدلا ً من قداسة البابا يوحنا بولس .

ما رأيكم بهذه المعادلة و أنا أحاول السرد معكم ، بعد قراءتكم الماء و الزئبق ؟؟

و لأن اللحظة خارج التأمل أجدني خارج الزمن ، نهاباً للموت والشعر الذي يأسرني إذ لم أع حقيقة هذا الأخير الذي لن يقود إلى قلب نظام حياتي كامن متأصل منذ القدم .

———————————————————————–

عالم النفس الذي أحتمه

بعد أعوام ثلاثين و أعجب فيه أكثر حين أنظر إليه من شذرات نفسي و أخمنه بدقة ، لكن ، ثمة ما يهرول بسري ، غير أنني ألوذ بلعثمة أمام حياة غيري ، و قد يكون لي مع هذه النفس عذوبة أفتقدها

أو أنني راو يتكلم عن ساديته بينما ينحو وفق ما تقتضيه سجية اللحظة ، لحظة ولوج نار حلم و بعض كتابة .

لم تكن الرؤية كما ينبغي ، لكن سأفعل بشكل مقارب لدور صديقي عالم النفس ، النصاح الخلوق لونيسي صاحب قصيدة أورشليم ، أتذكر وجهه المائل إلى نفسي كأي عجوز لم يعش طفولته في مدينة خارج الأمل .

عالم النفس الذي أحتمه أن يروي علي سيرتي ، أعلمه وصفتي الأقرب إلى خرابي الهانئ ،

من شذرات تلمسني ، ولم أكن أبداً بالقرب من نفسي ، عالم النفس يقرأ رسائلي إلي وأنا لم أتذكر متى كتبتها !

كما لو أنني حقاً هرمت .

أو أنني إزاء موت أوقظه في صباح متأخر ، لأجد على حائط غرفتي العالية التي تحد السماء صوراً ونعوات .. شهداء وقديسين ، وجهي سيكون على ذات الحائط إذن ،

لأعود إلى القصيدة الخالدة التي لا تنكتب إلا في حياة خارج الحياة لتعود محملة بحفيف أوراق الموتى و أكفان البريد التافه و الصمغ البني النافر .

حفيف رسائلي إلى العالم وجهاته الموصدة بإحكام

بعد أعوام ثلاثين ، ما برحتها إلا للتشرد و الخوف من الأمل الذي يسكنني ، كان علي أن أبارح وفق ما تقودني خطاي شرق هذا العالم العصي فبيل ” تشيرنوبل ” بالوجهة التي تحد ” رومانيا ” كما لو انني لا أريد تبياناً ما ، عالم آخر يتمظهر بلبوس وخلاص وعدالة ما بعد التجربة الشيوعية يوم عودة اليسار إلى مأزقه وكأن شيئاً لم يحدث .

وجهة أخرى من الألم ، اكثر فتنة ، أفتن بطبعي و أميل إلى الألم ، لعله الأقرب إلى نفسي ، بذات الغفلة التي دفعتني كي أغادر إلى “مرسين “ العاصمة السياحية لمجانين الشرق لأعتقل فور وصولي مع جماعة ” حيدر كوتلو ” و ” نهاد سرغين ” وصحبة امرأة يعود تاريخها إلى ” حزب تودة ” الذي مات منذ زمن بعيد

لم تكن سوى بعض أسباب تؤهلني كي أدخل مشفى ” غول باش ” في تركيا ، هناك تحولت إلى خلد خلوق يحن إلى أمومة مستحيلة ، بحثت عن ” دونا ” فلم أجد سوى طابور طويل من عيون ومعتوهين ، سأكون أكثر ميلا ً لتأملهم ، وعبرهم عرفت كيف أنتبه إلى نسبة الأدوية التي تحيلني إلى فناء آدمي ، فناء يلازم أمنا ” دونا ” شاخ جسدها كما شاخ جسدي بعدما أعلن أول أنهيارته

هنا في موسكو سيكون علي أن أحدد ما ينبغي تبيانه بصحبة جسدي الذي يزول في هدنته ، لم يكن إلا جسداً في طريقه إلى زوال ، زوال يخمن مشهداً يدخل ألفية ثالثة ، يودع الرؤيا والقصيدة ، مجرداً من أسلحة المقاومة وأسرار البقاء .

إلى الرؤيا أحن ، لكن النفس جبارة ، أغرم بنفسي وأميل الى بعض نزواتها ، في الرؤية أمعن طيش الذئاب وانتبه لأصبو صبابة من يرمق الجحيم ، ومن وردة أموت ، أنثر أوراقي التي تقود إلى هدر الجسد والثروة التي منذ أزل أفلست كما أفلست الأفكار في الشرق العربي ، في الغرب الأوروبي ، في شمال العالم وجنوبه العتيد – جنوب القلب يموت العالم – من العصيان ، إلى النفس الخربة .

من الأمل المخنوق عبر صداقات متبقية ، حيث جميع الصحب في علبة بريد أفتحه بحرارة الإثم الرحيم والنشوة التي ضلت والهلاك الذي يؤنسني عن قرب .

أمرعبر رجمي في هذا المدفن الثلجي الباهر، قارة البؤس الأحمر ، سيكون الشعر اكثر طهارة مما تلوثه نبوءة ابطال واهمين في عالم واطئ مخذول ، عالم نخسره بانتظام .

جنة الجحيم

و بقوة ، ستحط الحكاية كما لو أنها لا تقترن بسياق هرم . أوأنني معها أهرم ، و ألوذ بما تبقى من كلام آخر كي لا أقع بما قلته في ليلة غير هذه الليلة ،ليلة تقرن بالزهو والبلاء حين أفلست من خلوات الأمل ، و عبر صداقات المشروع الشعري الواحد ، كما كنت أحسب أوأنني أردت أن يكون الأمر كذلك .

لا فرق على أية حال ، فالحياة خارج الشعر على الأغلب وإن لم أتمثلها حتى في نومي .

وبقوة سيكتشف كثيرون أنهم هرموا مثلي . على الرغم من أنه ما زال في العروق ينبض دم الفتية وجمر الشباب . من الأمل الذي يربطني فيهم ، أغادر ، ومن ثم أتابع لتجمعني معهم لقاءات بعيدة . ومن ثم سيكون البريد التافه الذي يمشي كما السلحفاة وسيلة أفضل بيننا .

فأغادر خلسة ذات مرة ، لأتجه بعدها الى ” أنقرة “ عبر حدود متاخمة للبلاد التي سيكون لي معها منامات في الشعر كما في الكتابة ، ومن القسوة التي بدأتها في ”دمشق ” وعبر صحافة فلسطينية كانت أولى الرسائل التي أخطها لنفسي ، ربما لشيء من الهجر الذي أعيشه في جهة العبور والأمل المتبقي في آخر هوامش التعبير) بيروت( ، لأستقر في هذه الأخيرة بضعة شهور ثم أغادر بدافع الزهد إلى ”قبرص اليونانية ” وأطرد كبقية الأمل ، فأعود ثانية حيث غادرت لأزج في جهة جنوبية تحاذي ” درب السيم ” قرب مقبرة الشهداء و القديسين هناك كانت نهاية الشاعر آدم حاتم ، ثم انتقل ، لمرات كبقية القطعان الى ” مجدليون ” شرق صيدا إلى ” مراح الحباس ” بل في المنطقة المتاخمة لها ايام عز المليشيات ، هناك قرأت كتاب ” الإنسان ذلك المجهول ” لأليكس كاريل . ويا للمفارقة هذه ..

أنتقل كبقية الذين تربطهم أفكار و قناعات ، تلك ” القناعات ” حطت بنا كأي رهان خاسر في زمن ما ملكنا فيه شيئاً وما وجدنا فيه أنفسنا . زمننا وجيلنا الخاسر ، نحدو بما قدر لنا من افكار بإيمان شارد كنا نؤدلج جنة الجحيم ، كأي مارقين على خطاب عالم ضاق بنا في حين أننا ما عرفنا فاصلة الموت وما بدأنا الكتابة .

العاصمة الأبدية كانت في مكان آخر ق نودعها بأرصدة الحوض المتوسط أوأنها تبدو كملاذ آخر بل سقف حياة نتلذذ  ببعدها الهالك من سطوة الوقت الذي أحالنا نحو رهبة من  قصاصات أطيرها ملوثة بحياة آخرين ناسياً كما الفناء أسير خارج نفسي في خراب يؤطرها نار الهشيم .

لا بد أن تكون بذلك ضربة قاتلة ، وسكينة على جسد اللوحة كما أريدها لنفسي ، تلبسني وأنا الذي يتأمل اللوحة ، وحدي أكاشف أضرحة وتماثيل يقدسها الراجمون حتفي إذ لم يكن عليهم سوى أن يتلذذوا بهيئة الألم .

لعله من دواعي اللحظة ان تلج في التأمل .

حيث الراوي رائياً للأشياء يفتت الصمت والفكرة التي تغادر فور طرحها وتبقى القشور البانية كواتم تنتظر حافزاً ينسكب دفعة واحدة وكثيفة .

كما أراد أن يقول صديقي عالم النفس عن مخرج أفلام بقي في حيرة بين أن تكون مادته خارج الصالة أوالرقص كقياصرة اللحظة وما أقلهم ؟ فوق المطر ، لا تحته ، على مرمى الوشاة ، ثمة أرشيف يكتظ بكحل الليل ومدينة لا أحلام فيها .

بذا أمكنني أن أتمثل أحوال المركز المتداعي الأطراف إذ

عليه ان يلوذ بعالم لا كحل فيه ، لا حياة تئد الرؤيا ، رؤيا ما سميتها غير التأمل .

بينما الآخرون ، ولست منهم ، أتأملهم خشية السقوط ، حب يكسوه ثلج وخفقة طيور ذبيحة ، طيور مسروقة من ساحة كبرى ، من قصر لم يعد يحتوي على نجوم ثورة او فتات حتى عشية ذبحها .

الذي أفترض ، أوأنني أحب افتراضه ، نزوعي إليه مواسياً ، مخرجاً كان على أية حال سينمائياً معد سيناريو متأملا ً كان لمشروع روائي تسكنه حجة صمتي ، صموت وجهي ، أنفض عنه غبار أمكنة ، أمكنة تهرول

أمامي في بلاد حولت كل شيء إلى خردة .

إذن غادرت العاصمة ، بعد أن غادرتني ، كتبت مطولا ً

فور وصولي رسالة تقدر بأربع عشرة صفحة شاكست بواحدة من تلك الصفحات .

كنت روحاً تبحث عن مسافة أخرى ، ولأن البعد الذي ارصده لن يتحقق ، أهرب من ذاكرتي .

في أحايين أخر أفكر بصياغة نفسي أفكر أن تبعدي الورقة التي بين يديك مسافة بعد وضع مرآة توازي المسافة ذاتها ، بذا يمكنك قراءة ما سوف أكتبه معكوساً ”  مَن يوقظَ ذاكرتي ” تفيد المفردة بذا .

وأفيد أنني بلا ذاكرة أتذكر جسدي المؤوت . لست والأبراج على موعد منتظم لأن معلمتي ليست إلى قربي لكنني أستمع ، وأقرأ حركة الإيماء دون جدوى .

ثمة صور مقرونة مع كلام المعلقة الفلكية وهي تدهم حياة البشر … أسمعها ولا افهم .

لا لأنني على يقين بفداحة السر الذي تلامسه بعد أن روج المنجمون عن فعلتهم ، بل لغاية ما قد تنحو إلى قراءة العالم من جهاته الأخرى .

إذ لم اكن أدري أنه سيكون لبرج السرطان أهمية عندي ، وحقيقة هذا البرج أتوضحه في ذات الجسد الذي تحول إلى رقم خارج الإحصاء ، ما برح عنه العدم وما قرأه غيري .

إذن سرطانياً كان برجها ، سرطان على برجها الفاتن ، يوقظ زهور النار على جسدي ، برجها الموسوم بفداحة الخوف الآسر

كما الغياب الأزلي حين يؤسس حياته ، بل رهبة خارج الجسد واحتمالاته ، خارج المغامرة أجثو كثوري كسير وفكرة تائبة عن جسد يسير إلى زوال .

وعرفت انها قرأت نصف ما عنيته عن حبيبتي المستشرقة وفق ما مكنها السرد ولعثمة حروفي ، وما زلت ألبس خوفها ، خوف امرأة وعجوز يوزع خرافات كيفما يشاء ، ومنذ أيام أتبين نفسي،حين غادرت مرسيليا هذا الزمن القصير وأبدو إزاء نفسي قبل أربعين عاماً قبل سقوط الحلم وقبل أن يتكسر وجهي في هذه اللحظة .

ومتنا غيرة ، غيرة من يهتف ، عاشت البلاد وماتت الثورة ، بين أن نكون يتامى ، بين أن يتهاوى الملاك ، سأكرر شكلي بينهم .

يؤزمني المصلون والحيارى ، وأورقت كما لو أن أضرحتنا أورقت ، على زهور الحب أضرحتنا أورقت ، وحدها المغامرة سارت بي ولكنني حدودها الأخيرة .

وحدي أهدد حياتي خارج الحياة ، أمسك السرعني، إذ لم أكن يوماً اي اتجاه غير الدلالة ، تسكنني دون اتجاه يحده ارتهان فاجر كما اليتامى بعد ان تهاوى آخر ملاك يشبه شكل جدي ، جدي الذي كنت أتشبه بزواله منذ أزل العالم منذ أن ماتت الرغبة وطافت جثث هذا الكلام الأخير.

لم أرغب باسمي لأنه يدل لا يتجه ، يدل إلى نزعة بائنة ، بينما أغرق باتجاه يتناسل ، أهرول كما لوأنني لا أدري ، الحياة خلفي ، لا دلالة غير التوبة ، متجهاً أو هكذا لمحت نفسي .

إلى ماء الرغبة أتجه ، قبل أن تجف الرغبة ، وأتوب عن حياة غيري ، ما من حيلة ضد النفس أو ماتبقى من ماء الرغبة لحيارى تهدموا .

كل شيء هنا شامخ إلا الرؤوس محنية ، جسد النار إلى زوال يمضي،

جسد يجثو في مرسيليا ،

النار تزهره ،

بينما أزول ،

خارج الجسد أزول .

الظلال واقفة وأزول ،

لم أكن بصحبة حزانى مضوا ،

ما مضوا يوماً معي ،

الرغبة جاثمة ،

حزانى تركوا الرغاب نائمين ،

تذيبني رغاب الإثم الأليم ،

رغاب ضد النفس قبل أن نهلك .

كما أبي أوزع عبير المسك في عنتاب ،

مثلكم أيام زمان ،

روحي لا تحدني،

خارج المغامرة أنوء ،

بعد أن هجرني كلام أخير ،

غدوت مجرد حاصد عتب وفكرة منذ أزل .

———————————————————————–

  • · أمكنة السرد

من الألف الثاني في جمهوريات الكومنولث أنجز هذا النص بعد أن بدأته في نيسان 1995 بمدينة غومل .

أكتبه مجدداً في الأواخر من ذات العام في موسكو .

أما قبل … كأن من دواعي الأمور أن يهدم حيلي وأغيب لفترة عن نفسي ، بقسوة مميتة أغيب عن نفسي و أمرض هزتني تلك الأيام في الأواخر من العام ذاك .

بعض أصحاب وصداقات أمكنني من احتمال فظاعة ما تهدم في ، أعود بعد هدنة إلى صياغة مختلفة لما بدأته ، لكن ، ثمة ما خالجني من شعور في قطار يقلني من مينسك إلى موسكو ، وكان شرط كتابة هذه الصياغة عبر نفس تحدثني ذلك حين أفلسني العالم من ممكن الأشياء ( الأحلام كانت من هذه الأشياء لذا أبدو كمن يحلم حياته ولا يعشها ) .

كما لو انني لست في شرق هذا العالم أتبارك بنار باردة وأسأل بخوف جلي إن أسس في هذا الاختلاف المكاني هدنة مع نفسي أم انني أقصيت الروح والجسد في بعد آخر للنفي ؟

ومع النفي الذي ألمس معالمه في موسكو حيث أفترض صياغة ما تهدم أعاود النهوض من قارة الثلج الأحمر لكن ثمة ما لمسته من حرارة تبعثها كرات ثلج باهر وشمس ترتجف .

يحيل النص إلى دلالات رمزية في الموت كما في الكتابة حيث أخرج من تجربة مريرة كنت أتمرن من خلالها على فعل الحرية إذ لم أمعن النظر إلى العالم بأعين ذئبية .

لعل ذلك جعلني أن أدعو ما دونته ب هدنة النفي ، أي إشارة لما كان في الأمس ممكناًحيث نجده اليوم عصياً أوأنه تبدل .

سيكون أساس ذلك إقصاءات متوالية ، هذا إن لم نجدها بمفردة ” النفي ” عينها فيما لو أخضعنا مفهوم الهدنة للاسترسال اللغوي أوللتشريح العياني حتى .

فهل نخلص عبر هذه المواجهة ( للذات ) إلى ما يتوافق مع جيل تحده كهوف تهجس عن إحباط ونفور من الأحلام التي كنا نغسل بها عيوننا ؟

ذلك في وقت ينزع إلى تراجع الإيديولوجيا والأفكار وثمة تشظ لعديد من الأسئلة التي تطال الفلسفات والسياسة وبعض ما يصدر عن مقترحات تدعو للتجاوز والاختلاف

.

نقول ذلك وندرك بأن الأمس لم يطو صفحاته بعد ، والثابت أيضاً بأنه هنالك الكثير من المشكلات لم تنضج حيث اكتنف هذا القرن على إحالات سيرثها القرن القادم وحيث تقنيات التكنولوجيا تجعل هذا العالم أشبه بمستعمرة ضئيلة ، مع كل هذا سنجد ثورات تخرج على ما يمكننا وصفه أماكن محرمة من الوعي ، لأن المعرفة والعلوم والفلسفات مليئة بالشك حد اليقين .

إذن ذهبت الأحلام التي أخذت على عاتقها رهانات ذلك الجيل لتستمر بأكثر إثارة يتطلبها عصر التحولات عصر صناعة الإنسان .

وإن بدوت خارجاً لتوي كي أعاود قراءة العالم بأعين نظيفة لأن سمات جيل مضى ما زالت تلازمني وأحسب ذلك ليس بالهين .

لأستمر إذن ، بعد أن غيب ” المرض ” ما قدر لي من نفي للذات عن مكانها الذي ينوس منذ أزل ، وكي لا أستعجل كتابة رسائل إلى نفسي علي أن أتوصل إلى هدنة حقيقية . لهذا الغرض ربما تبدل الإسم الأول لزهور النار ، أسوة بما تحدسها النفس لا كما تفرضها شروط السرد ولغة المنفى الأليم

غومل ـ موسكو1995

أحمدسليمان

  • للكاتب أعمال منشورة منها :

1- غنائية الموتى فوق هامش الممالك : عام 1993

2- خدر السهو – حين تأكلني أصابعي من رأس فكرة

3- الحفيد السري “ أورهان أوزباي” :عام 1999

4- زهور النار – من الألف الثاني في الكومنولث تحديداً

5- أتشــــكل / آخر الحي الاثني أول النفق المزدحم :عام 2002

6- قبعـــة المنـــام… غبار وبايب وخسائر

7 – بورتانيغرا … قرأت في رواية سأكتبها

8- الجانب الثقافي: أصدر احمد سليمان في العام 2003 مجلدا تضمن على إرهاصات في الأدب والفكر والسياسة تحت عنوان ( جدل الآن -إلى الألفية الثالثة في الانتقاد الفكري و السياسي وعن قضايا الديمقراطية والقمع والاستلاب وعلاقة المثقف بالسلطة

9-  أحمدسليمان يمثل عبر كتاباته تيار انتقادي بمواجهة أنظمة الفساد … هو متحصل على عضوية فاعلة في عدد من المنظمات الدولية ذات التوجه الحقوقي

10 – موقعه على الأنترنت : www.jadl.orgwww.opl-now.org

عن أحمد سليمان

من مواليد 27 / 12 – 1968 – سوريا – عاش في بيروت بين ( 1990 و 2003 ) . كتب بالصحافة اللبنانية والعربية حتى لحظة و صوله أوروبا حيث كتب بمجال الحريات المدنية . لأحمدسليمان دواوين شعرية خمسة و كتاب نثري وعملان سرديان وكتاب متعلق بالأبحاث الديمقراطية وقد صدرت بطبعات مشرقية ومغربية -عمل على اعداد وتوثيق ما عرف بقضية الإيدز في ليبيا واصدر مايقارب 200 تقرير حول القضية التي تعتبر أبرز نشاط انساني دولي عمل عليه الى لحظة التسوية السياسية التي حسمت القضية. -متحصل على عضوية فاعلة في منظمات دولية ـ يقدم استشارات لعدد من المنظمات والهيئات الثقافية و يساعد في تحرير مواقعها -لقراءة كتب أحمد سليمان http://en.calameo.com/accounts/377803 http://issuu.com/jadl-now www.scribd.com/ahmadsleiman

شاهد أيضاً

من أحمد سليمان و ندى عبود : إلى أهلنا في ” الحاكمية السورية ” مزيج من فن وأدب وحرية

من أحمد سليمان و ندى عبود : إلى أهلنا في ” الحاكمية السورية ” ، …

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

error: Content is protected !!